مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

vendredi 18 mai 2012

شذرات
1.    يعتقد بعض أصدقائنا ممن تنازلوا إلى أرذل الدرجات حتى يقال لهم، مجاملة، إنهم "فلاسفة تونس"، أو "فلاسفة العرب"، يعتقدون أنهم يزدادون عبقريّة في نظر النّاس عندما يعلنون أنهم بلا جذور ولا أصول، وأنهم أنبتوا أنفسهم بأنفسهم. فيجري أمرهم على نحو ما تباهي الشجرة جاراتها بأنها وارفة وباسقة لأنها اقتعلت جذورها وانتصبت على سطح الأرض. سيعلمون مدى ما يحتاجون إلى جذورهم تلك يوم تمطر السّماء. إنّ أحلك أيّام الشّجرة يوم لا يكون لها ظلّ. 

mercredi 18 avril 2012


وجه الله خير من وجوهكم الكالحة

اليوم 18 أفريل 2012 : التونسيون يعمرون شارع بورقيبة آخذين الكتاب بقوة وقارئين مصمّمين.
ما أروع شعب تونس ومواطنيها اليوم وما أكثر دلالات ما فعلوا في شارع بورقيبة الذي استرجعوه نهائيا رغم كلّ السفسطات : ضدّ قهقرة الناس إلى الوراء  وإرجاعهم إلى حلقات جوامع لا تعي أنّ المعرفة أصبحت متاحة لكلّ الناس  وأنّ العصر قد بات لا فقط عصر المطابع بل عصر الرقمي والانترنت، ضدّ رسم تراتبية المعرفة بقطبيها اللّذين أكل عليهما الدّهر وشرب : قطب الشيخ العارف الأوحد وقطب الجاهل الأبدي الذي هو الشعب والجمهور، ضدّ كل ذلك قال لكم أبناء تونس وبناتها : وجه الله أرحم، وملكوت العلم أرحب، والكتاب بين أيدينا فلا حاجة أن تعلّمونا ولن نكون الجاهلين الأبديين الذين تستمدون من جهلهم سلطتكم ومبرر وجودكم على رقابههم.  سنقرأ كل شيء بما في ذلك كتاب الله نستلهم منه رسالته إلى كلّ واحد فينا، لا إلى قطيع الأغنام الذي تريدوننا أن نكون. لن  نذعن لتفسيراتكم التي تبلّد الذهن وتقضي على القريحة، وسنقرأ كتب الناس الذين خلقهم الله ليتعارفوا، وسنقرأ، وسنقول لأبنائنا - الذين تريدون اختطافهم منا - أن يتحصنوا ضدّكم بالكتاب.
ضد جهل الترديد الذي تريدونه علامة على كثرتكم ، وعلى كثرة جيوشكم وفيالقكم السوداء، سنتحصن بفرادة شخصية كلّ واحد منا، وفرادة رأيه، وطرافة إضافته.
ضد كل تراجع أردتم سوقنا نحوه، ها نحن في شارع بورقيبة نحقق بورقيبة رغم جحودكم،  ونحقق جوهر المدرسة : فنرفع راية الحرية بالمعرفة .
رأي شخصي : رأيت للشعب التونسي كثيرا من المواقف الرائعة : ولكني لم أر في حياتي أروع من موقفه اليوم : الإصرار  العنيد على المعرفة والحرية في وقت تتنادون فيه إلى منع بث هذا وحجب ذاك : أمام رمزية هذا اليوم ورمزية هذه المشاهد ، حري بالكثيرين منكم أن ينحنوا تقديرا للتونسيين وإجلالا لهذا الشعب. حري بالكثيرين منكم أن يستحوا  وأن يعتبروا بالدرس..

lundi 6 février 2012

المقال السابع [6 فيفري 2012] : ما هي تونس ؟


على غير أوان                                                                                                                                                                   
                     محمّد أبو هاشم   محجوب
 تنبيه : 

 صدر هذاالنصّ [ على غير أوان : ما هي تونس ؟] في صائفة سنة 2009 ضمن إحدى الصّحف السيارة، وفُعل به ما فعل حتى انقطع.
ولكنّ أحدا لم يتفطّن آنذاك إلى ما يحمله هذا النّص الفكري من نقد ذاتي لما انخرطت فيه الجوقة العامّة، دون تفصيل، من الاستعاضة عن التّفكير بالترديد، وإلى ما يحمله من الاستباق إلى طرح سؤال لا أعتقده إلا ملاقيا بعض جوابه في صرخة 14 جانفي 2011.

 لذلك أنشرُه اليوم إنصافا له. وأنشره ليُقرأ، بعد أن مرّ في جلبة الجوق - من وراء الآذان. إنّ شأن الفكر الجوهري أنه لا يُسمع إلا على غير أوان.

ما هي تونس ؟

-VII-

وإنما لذلك استأنفنا النّظر في سؤال "ما هي تونس ؟" بالنّظر في عوائقه، وحدّدنا مفهوم الإنسان الذي درج عليه النّاس، في ما نرى، مستوى من مستويات تلك العوائق : ذلك أنّ الإجابة التاريخية عن هذا السؤال، تنتصر بفسيفسائية  معطيات التّاريخ لتخلص منها إلى  مفهوم فسيفسائي للهويّة، لكأنّما الهوية  سلّة عناصر قد رُصفت جنبا إلى جنب. بل إنّ الإجابة التّاريخية لتتخطّى ذلك لتصوغ مفهوم هويّة ليس سوى صدى، بل هو ليس سوى سطح إسقاط لتعاقب الأحداث تعاقبا تفترض الكتابةُ التّاريخية أنّ فاعليّة كلّ حدث منها في "الهويّة"، فضلا عن كونها فاعليةً مؤكّدة، هي فاعلية بمجرّد الحدوث.
وتتمثّل صورة هذا العائق في كوننا لما كنّا لا نفهم الهويّة إلا من خلال الإنسان، فإنّ السّؤال "ما هي تونس" يعني ضمن هذا التّصور "ما هو الإنسان الذي هو إيّانا". ولذلك فإنّ الإجابة  عن سؤال "ما هي تونس" محدَّدةٌ بالأحكام المسبّقة التي نحملها عن الإنسان وعن إمكانيات تعريفه : ولقد كنت أشرت في سرعة ما إلى أنّ كثرة عناصر الإنسان هي التي باتت تنوب عن تعريفه. ولم يكن قصدي من وراء ذلك أن أجحد تلك الكثرةَ أو أن أدعو إلى تلخيصها واختصارها. وإنما اعتراضي على جهة النّظر الوصفية الإحصائية التي تحكم هذا الموقف : لا نبذا للوصف والعرض، وإنما لأني أجد أن هذا الأسلوب لا يصف بالقدر الكافي وأنّ جهة النظر هذه لا تفي بغرض الفكر من الوصف. فالأحداث التي تؤلّف مادّة الكتابة التّاريخية، هي أحداث دوّنها الذين أخبروا عنها، فجعلوا منها إحداثيات ذاكرة. ولكنّها أحداث رفعها الذين فكّروا فيها وتفكّروها فجعلوا منها سردية كيان، وقصّة وجود. ولذلك فإنه لا يمكن لعبد الرحمان بن خلدون أن يكون العبقري الذي كان، حين فرّق بين الإخبار والتّحقيق، في تعريف هويّة التّاريخ، إلا لأنه أشار وأومأ، بأسلوب الإشارة، بأسلوب الإيماءة [geste] الذي هو أوحد ما يبقى من المفكّر، إلى  العرْض لدى "النّظر والتحقيق" أي لدى الاضطلاع فكراً بالحدث،  أخبارَ الحياة التي تعطيها "التراجم"، على مرآة القصّ الذاتي التي تعطي المعنى.
ماذا كان حدثُ المسيحية التي اضطلع بها أوغستين ؟ لئن نحن نشدنا في كتبه أركان عقيدة وصلوات ابتهال وتوبة، على نحو ما يكون شأن كلّ مؤمن مع كل إيمان، فما أقرب ما ننشد ساعتها. وأمّا إذا ما نظرنا في ما يتيحه الحدث [الذي كان المسيحية] من طلب المعنى ضمن سردية الكيان التي لا أبلغ من عبارة الاعترافات دليلا عليها، فنعم ما نحصّل ساعتها. هل تكون العبرة وقتئذ، عند التفكير، أعني عند التفكير، بمضمون المسيحية التي يعتنقها أوغستين من بعد وثنيته، أو هل تكون، في سياق آخر، بمضمون أي عقيدة أخرى، لدى  سرد الذات ذاتها، وتفحص النفس نفسها. كلاّ. وإنّ النظر والفكر لسابقان إلى القلب على كلّ إيمان. وإنما في عُري النفس، قبل إيمانها، ومن حيث هي نفس لا يسندها لحم ولا عظم، ولا تقوم على صعيد، ولا تستظل بأي سماء، دعانا التنزيل أن ننظر وأن نتأمل. إنّ لقيا الإيمان، لا تستمد عظمتها، لدى الشهود، من مضمون العقيدة ولا من تفاصيل الإيمان، وإنما من كونه، أعني الإيمان، ينفتح في قلب اللاإيمان. ولذلك كان الإيمان معجزة كل لحظة.
إنّ النّظر في الحدث الذي يرفعه الفكر إلى الاعتبار هو سردية النّفس التي ينبغي أن تكون مطلبنا لدى اعتبار كتب تونس الأساسية. ومن هذا الوجه المنهجي فإنه لا يعتدّ بالمضامين، وعلى كل فإن بابها لا يطرق للإجابة عن سؤالنا.
VIII

إذا كان المفكّر الحقيقي حقيقيا بما فكّر وبما كتب وبما قال، فإنّه أكثر حقيقية أعني أكثر جوهريّة بما جعله ممكنَ التفكير بعد ما فكّر وكتب وقال. ولذلك فإن موسوعات كاملةً للمعرفة وللتأريخ للفكر ولوجوهه اللافتة لابدّ أن تعاد كتابتها، إذ هي إذا ما رامت أن تخبر عن شأن المفكرين والعلماء والأدباء، لزمها أن تنشد إحصاء ممكنات هؤلاء لا إحصاء مدوناتهم وواقع ما بات تحصيل حاصل عندهم : فكأنما كلّ مفكر بما بات ممكنا بعده، أعني، من وجه آخر، بما بات غير ممكن بعده : فأمّا الممكن فهو ما سوّغه من المناهج التي لم تُطرق، والإجراءات التي لم تُعوَّد، وأما غيرُ الممكن فهو جملة ما لم يعد وجيها بعده من المناهج والإجراءات ومن الأسئلة ومواضع الأسئلة ومستوياتها، اللهم إلا على سبيل التكرار الذي لا خير فيه، والإعادة القاصدة إلى استظهار المعرفة لا إلى صنعها. وإن الأمر في الفكر ليجري هاهنا على عين ما يجري عليه في تاريخ العلوم.
ولئن كانت هذه المناهج والأسئلة الجديدة التي تسنُّ على سبيل الإمكان ضمن فكر ما، تتّصل بإحداثيات مختلفة، بعضها معرفي وبعضها فني وبعضها سياسي ...  فإن ما يهمّنا منها هو ما اتّصل بالمعاني الكيانية للإنسان، أعني حوامل فهمه لوجوده. ولذلك فإنّ قراءتنا للمفكّر المبدع هي قراءة لا تلهث وراء الترديد "بعبارة أخرى" لما قال ، وإنما هي تريد أن تكشف عن الضّمني الذي يفسّر ما قال، أي عن شروط إمكان قوله : إنّ تحرّي الممكن، ولو كان على جهة البحث عنه كشرط إمكان غير منطوق، هو موضع التّفكير عندي، وهو الجدير بالنظر والبحث لدى مقاربة كتاب أساسي. إن الصداقة الحقيقية مع فكر أساسيّ ليست أمانة لما يقول، وإنما هي أمانة لشروط إمكان ما يقول، اللاّمقولة.
سأنطلق من كتاب عبد الرّحمان بن خلدون: ولاشك أني لا أنشد هيّنا ميسورا. فهذا كتاب قد بلغ عند أهل تونس، وغير تونس، من التدارس والانتشار، ما لا يمكن لذي عقل أن يدّعي أنّه يقول فيه اليوم جديدا. وإنما صعوبتُه تلك. فعلى قدر تدارس الكتاب قد يكون دُروسه [oblitération] جرّاء البداهة التي تتناقلها الألسن والأقلام عنه، حتى إنّ حدوسه الأساسية لتضحي بداهات باهتة. كما أني لعلى تمام الوعي بأنّه يمكن أن يُعترض عليّ بأنّي لا أبدأ من حيث يجب الابتداء. فليس كتاب عبد الرّحمان بن خلدون أوّل ما كتب في تونس، وليست الكتب السّابقة عليه، في مضمارها الذي لها، أقلّ قيمة منه، ولا أخفت صيتا، ولا أقلّ مدى.  ومثل هذا الاعتراض مقبول، مادام يثير مشكلا منهجيا يتعلّق بالترتيب الذي من شأن التحليل أن يخلع عليه معنى.
ولكنّ كتاب ابن خلدون ذو وضع مخصوص ضمن كتب تونس الأساسية. ولولا أنّ المقام محدود بهذا الوطن وهذا التّراب وهذا التّاريخ، لقلنا إنّ وضعه المخصوص ليس ضمن كتب تونس الأساسية فحسب، وإنما هو ضمن كامل الفكر العربي الإسلامي أولا وضمن كامل الفكر الإنساني بعد ذلك. وإنما الأمور على ترتيب. ولعلنا نأتي لاحقا إلى توسيع الأفق.
وإنما ينظر عبد الرّحمان بن خلدون باتجاه السّابق الذي مضى، كما ينظر باتجاه اللاّحق المقبل، فيعطي مفتاحَه الذي يفكّ أوصاده، أعني أنّه يعطي صياغة سؤاله المفهومية [conceptuelle] ويضطلع بإمكانه لا على جهة الحدس والرؤيا [vision]، وإنما على جهة الفكرة المكتملة. لذلك فإني لدى قراءة مقدمة عبد الرحمان بن خلدون لا أقرأ كتابا ذا ترتيب، وإنما أقرأ كتابا تترتّب منه الكتب الأخرى: إنّ امتحان هذه الفكرة هو ما سيمثل عنصر المقاربة التي نقدم عليها، وفيها تتمثل وحدة الأسلوب، ووحدة الإيماءة اللّتان كنا أشرنا إليهما.
إنّ المشكل الحقيقي الذي يتصدى له ابن خلدون من بداية مقدّمته هو مشكل فقدان المعنى. ولا شكّ أنّه يمكن أن يُعترض علينا بأن مدخل المقدّمة مخصص بوضوح لمسألة الخبر التاريخي.ولنا على هذا المأخذ ردّان: أوّلهما تصحيح. فسياقُ هذا المدخل ينزّل العلاقة بالخبر التّاريخي ضمن غائية العبرة: "اعلم أنّ فنّ التاريخ فن عزيز المذهب جمُّ الفوائد شريفُ الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه...". وثانيا، ما هي العبرة ؟ وهل كلّما تمثّلنا وقائع ماض ما حصل لنا من تمثلنا ذاك إدراك معنى؟ إنّ تمثّل الوقائع ضمن حدث ماض ما، يعني إدراك بنيتها الدلالية من جهة ما هي عناصر محيلٌ  بعضها على بعض ضمن ترتيب من إنشائها، لأنّه ترتيب لا يسابقها إلى بنية يضعها لها من قبل بحيث يؤدّي تلاؤمها مع تلك البنية إلى شهادتها عليها. إن ترتّب الوقائع ضمن بنية ذاتية قد يفيدنا بمدلول، ولكنّه لا يستطيع أن يفيدنا بمعنى. ويقتضي الحديث عن المعنى، على العكس من ذلك، تمدّد الإحالة التي لكلّ عنصر من عناصر بنية ما إلى خارج تلك البنية. إن ذلك التمدّد هو الانتشار الزّماني الذي يسمح بالمعاودة على نحو غير تكراري، فكأنّما ترتسم لدى كل اطّلاع "على أحوال الماضين من الأمم" مضارعة لتلك الأحوال تعيد، بشكل ما، تولّد آنات تلك الأحوال بضرب من تشاكل (تآلف؟ تضامن؟) المصير، أي من تشاكل إيقاع الذهاب والإدبار، وذلك هو الذي نسميه درسا.
 IX
ما الذي يسمح بتمثّل ذلك التّشاكل [بين الأحداث] ؟ لا شكّ أنّ الذي يسمح به ليس أيّا من العناصر إذا ما أخذناها في ذاتية ملامحها، أي في تضاريس فرادتها المخصوصة. إنّ خروج عنصر "الأحوال الماضية" من فردانية صورته (l’individualité de sa forme) ذات المدلول، إلى كثرته النّموذجية هو الذي يسمح بتمثّل المعنى لدى الاطّلاع على "أحوال الماضي"، وهو الذي يسمح خاصّة بالانتقال من حديث يتمثّل الماضي إلى حديث يتمثّل التّاريخ بوصفه حدث المعنى .
إنّ التّاريخ بما هو كذلك ليس أيّا من ماض، وليس أيّا من حاضر ولا من مستقبل وإنّما هو عنصر (L’élément)  اللّقاء بالذّات، عنصر قراءتها وتأوّلها بما هو، في المعالجة الخلدونية، "محكُّ الخبر".
بأيّ معنى يمكننا إذن أن نقولَ إنّ منطلقَ ابن خلدون هو فقدانُ المعنى ؟
لاشكّ أنه يمكننا استعراض العبارات الدّالة على ذلك وهي كثيرة ومتكرّرة: فأخبار المؤرخين هي "الخرافات المستحيلة"، و"الحكايات" المقدوح فيها والمحالة، و"خرافات القُصاص"، و"ما لا يقبله العقل"، الخ. إنّ إشكالية الصّدق والكذب في الأخبار لا تتولد ضمن المقدمة كأي إشكالية صورية للمعرفة، وإنما هي إشكالية من كونها تتناقض مع فكرة التاريخ بوصفه موضع العبرة، ومنزل الدرس.  فكأنما كذبُ الخبر مُذهب للعبرة التاريخية. إنّ كذب الخبر مانع  لزمانية التاريخ المخصوصة من أن تطلع على الوعي وتعمر "قصديته" كتجربة تضارعٍ للأحداث ضمن ما يخبِره هذا الوعي معنى. إن كذِب الخبر معطّل للتاريخ أي معطِّل للمعنى التاريخي بما هو درس وعبرة.
لاشك أنّ مثل هذا الكلام يفترض معنى للتجربة التاريخية، وربما كان أوكدُ ما يعترِض عليه أنّ عبد الرحمن بن خلدون لا يصوغ قوله في التاريخ على جهة "التجربة التاريخية" وإنما على جهة القول في المعيار الذي تتميز به الأخبار. ولعله يمكننا أن نردّ على هذا الاعتبار في وقتين :
فأولا، لا يفرّق ابن خلدون في نقده لما يجري من مفهوم التاريخ بين مضمونه كذبا ومضمونه صدقا ("وهما أو صدقا" في عبارته)، ويعني ذلك أن هذا المفهوم الجاري ليس يشفع له ما قد يتخلله من الأخبار الصادقة التي تطرأ عليه طروءًا،، وهو ثانيا يسدّد نحو جذر الموقف الروحي  الذي يصدر عنه هذا المفهوم الجاري فيعينه "نقلا"، و"جلبا"، و"تقليدا" و"بلادة طبع"  أو "تبلد عقل" و"ذهولا"،  و"جهلا" و"اتّباعا" و"غفلة" الخ.
إنّ صدور الخبر، صادقا كان أو كاذبا، عن مثل هذا الموقف يمنع تمدّد الدّلالة الذي يتمكّن به الحدث التاريخي من أن يغادر فرديته الصورية ليلتحق بالمادّة[1] المشتركة أي الحية للتاريخ بما هي معنى، أي بما هي مخبور وعي معاصر للديمومة.
ليس من اليسير أن يفهم المرء عروض "أصول العادة" وقواعد السياسة" و"طبيعة العُمران" و"الاجتماع الإنساني"، ولو كان نظريا، داخل إشكالية تاريخية. وإنّ في الإصرار على القول بهذا الابتداع الخلدوني "العارض" للاجتماع داخل التاريخ، مهما كانت وجاهته، إصرارا على تقييد الفتح الخلدوني بعلم من العلوم، أي إصرارا على عدم رؤية ما في هذا الفتح من الدرس الأنطولوجي، أي من الدرس الشارط لكل فتح جديد ولكلّ كشف جديد بعودة متفكرة إلى الذات. فإنّ الوضع الذي نحن بصدده يقبل بكل بساطة ولكن بكل عمق كذلك أن يصاغ على جهة السؤال التالي : لماذا يؤدي النّظر في الخبر التاريخي، من حيث صدقة وكذبه، ولماذا يؤدي السرد التاريخي للخبر، ولماذا يؤدي الإخبار عن الماضي،  إلى استطراد في الإنسان ؟ وإن في تردد الباحثين في تخصيص الكشف الخلدوني ما بين علم اجتماع، وفلسفة تاريخ، وفلسفة اجتماعية، واجتماع نظري، لعزما على عدم البصر بأن ما يجري ضمن المقدمة ليس إلا استئنافا للتفلسف لا يكمل فلسفة سابقة (ولاسيما أفلاطون وأرسطو) بقدر ما يجذرها بفتحها على ما هو موضوعها الحقيقي : الإنسان. وإنّ أوكد مقوّمات هذا الاستئناف هو استدراجُ تأويل الكيان الإنساني على الأرض، أي هبوطه إليها وعمرانه إياها، تاريخا، وتَمَثُّلُ "حقيقة التاريخ" خبرا عن الماضي بقدر ما هو  إمكان حدوث (أي بقدر ما هو صدور مطابق لطبائع الأشياء) . وإذا كان ثمة من حداثة لابن خلدون فإنما هاهنا تكون.

X
لعلّ أظهر ما يبدو هذا الاستئناف الخلدوني هو في توجّهه إلى مستوى من النظر في مسلمات العلوم وافتراضاتها يعسر معه ترتيب النظر الذي يفتتحه، كواحد من العلوم، وإلى جانبها. إنّ ما ندافع عنه هاهنا هو أن ابن خلدون إنما بسط في المقدمة نظرا أساسيا تأسيسيا ولم ينتخب لنظره موضوعا من الموضوعات المتاحة.
يقول ابن خلدون : "وهذا الفنّ الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من جنس مسائله بالموضوع والطلب" إن خاصّة هذا الفنّ إذن أنه فنٌّ مسائله في غيره من العلوم والفنون عارضة ضمن براهين تلك العلوم. ولكنها بالموضوع وبالطّلب (thématiquement) مسائلُه، بل عين مسائله. ما عسى أن يكون هذا العلم الذي موضوعه لامبرهنات العلوم الأخرى ؟ أليست هذه اللامبرهنات هي مسلمات تلك العلوم وافتراضاتها ؟ وما عسى أن يكون هذا العلم الذي موضوعه التقاطع الصامت للعلوم الأخرى ؟ إنّ ابن خلدون على تمام الوعي بأن ما يقدم عليه علم جديد مجدّد، وهو يؤكد في أكثر من مناسبة أن الذي أعثره عليه إلهام إلهي "من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان".
إنّ اتخاذ صوامت العلوم غرضا ورفعها إلى مستوى القول الصريح "بالموضوع والطلب" هو الشأن الفلسفي الحقيقي. ولكنّ الموضوع المؤتلف من مثل هذا النّظر هو أحوال العمران البشري من جهة ما تمثل حقيقة التاريخ. فإن الإخبار عن الماضي لا يعطي معنى الوجود الإنساني على الأرض إلا متى ائتلفت الأخبار ضمن خثارة (concrétion) المن الذي هو أنا، تذكيرا لي في كل لحظة بأني "إنسان".  إنّ فقدان المعنى الذي يوقع الإنسانَ فيه زيفُ التّاريخ لا يرفعُ هذا الزيف بتصحيح الأخبار إلا متى كان هذا التَّصحيح أوَّلاً فهما من الإنسان لأحواله. فالتصحيح ليس رواية أخرى للخبر التاريخي، وإنما هو في كلّ لحظة وفي كلّ معاودة مقارعةٌ للخبر على محكّ ضرب من "الحس السليم" أو من "الولوج المباشر إلى النّفس" [un accès à soi]. لا بدّ أن ندرك ما في إعادة قصّ الذّات خبرها على ذاتها من موارد التّعقل، ومن إمكانات المحاسبة التي تصوغ من ذلك صورة للنّفس لا تحيل على الماضي فقط [أي لا تجيب فقط عن سوال : ماذا كنت ؟ أو كيف كنت ؟] بل تلامس من بعض الوجوه سؤالا آخر لعلّنا نصوغه في مقاربة أولى صياغة أوليةً جدا : ماذا ينبغي أن أكون كنتُ ؟ ما هو مرجع هذا السّؤال ؟ هل هو الماضي الذي يحبسنا ضمن حدود تمحيص الخبر ؟ هل هو المستقبل الذي يجدد بناء الخبر ويجدد قصّه على النّفس حتى تبني منه هذه الأخيرة هوية أخرى ؟       
 فكأنما ينجز ابن خلدون بمقدمته ردّا (réduction) فينومينولوجيا أصيلا  يعتزل  (mise hors circuit, mise entre parenthèses) ضمنه  الخبر التاريخي صادقا كان أو كاذبا (وهذا شأن الإيماءة الفينومينولوجية [le geste phénoménologique]  الأصلية) ليحيل على التاريخ الأصلاني : فإذا التاريخ الأصلاني هو العمران البشري والاجتماع الإنساني، من جهة كونه خلعا لمعنى الزمان، أي لوحدته، على الماضي والحاضر. ليست عبرة التاريخ إذن إدراكا لحيلة نداور بها الأحداث، أو نعالج بها الحاضر، وإنما هي أن "نرسَل" في كلّ مرّة للنظر في أنفسنا. فكثيرا ما قُصرت العبرةُ على معنى الدّرس الحاصل صوريا من كثرة الآحاد، أو على معنى الوحدة الحاصلة من التكرر والتواتر ومن تساتل الأحداث على مآل واحد : وإن هذا لهو أدنى معاني العبرة، ولو تعمقنا فيه بعض التعمق لألفينا فيه مجرد رسم من رسوم العلاقة التي يزينها الخيال بين تتابع الأحداث. ليس التاريخ درسا لأنه مسرح تشابه الأحداث، بل هو كذلك لأنه موضع فرادتها الناطقة التي تحمل النفس في كلّ مرة على إعادة صياغة هويتها بتأويل نفسها وإعادة تأويل نفسها. لذلك ليس كمقدّمة ابن خلدون تأويلية  للنفس.
وإذا كان ابن خلدون قد كتب كتاب تونس الأساسي وحدد جوهر علاقتها بالزمان وبالتاريخ على أنه العبرة،  فلأنّ الأصلاني الأصلاني  ضمن هذه الإيماءة، هو تحديد الموْجد الإنساني فهما للتاريخ. إنّ ما بات ممكنا بعد ابن خلدون هو إدراك أصلانية التاريخ بما هي أصلانية معنى الإنسان.
ومع ذلك فإن هذه الدراسة لا يمكنها أن تكتمل دون مناقشة أصلانية التاريخ من حيث  النماذج المتاحة لها، وتحديد أنموذج هذه الأصلانية عند ابن خلدون.
XI
لعلّه قد تبين لنا الآن، بعض تبيّن على الأقلّ، ما لمفهوم العبرة من المركزية في المقاربة التي نحاول والتي نُشهد عليها مقدّمة ابن خلدون محصّلة لكل تفكير في ما هي تونس. فما تكون العبرة ؟ وما الذي تختلف به عن ابتذال المعنى الخلقي الذي نفيده من دروس الماضي ؟ إنّ المقلق في هذا المعنى الخلقي ليس  خلقيته، على سطحيتها، وإنما هو إخلاف مرجعيتها الأصلية : فما مرجع خلقية العبرة ؟ ومن لنا بمعنى غير خلقي منها ؟
      ثـمّة في المعنى المتداول والمطروح من العبرة شيءٌ من "خارجية" [extériorité] الاعتبار ومن البرودة الملازمة له التي تجعل النّظر إلى الأحداث "المعتبرة" واستجماع ما تؤدّي إليه من "العبرة" بعضا من عمل "الجمع والطرح" الذي يستبعد معنى الكيان ويطرح جانبا، باسم مقتضى الحياد المعرفي، كلّ عناصر الذاتية التي إنما يدور عليها الأمر أوّلا وآخرا. ولعلّ سياق تمحيص الخبر الذي تنتمي له، على نحو غير ضمني، بداية المقدّمة يعضد هذا المذهب ويزيّن الاطمئنان إليه.
      ولكننا لا نتذكّر دائما أنّ سياق تمحيص الخبر، إذا كان سياق البداية، فإنّه كذلك سياقُ كلّ ما يلحق من المقدّمة : هكذا تتعاقب أبواب المقدّمة وفصولها ضمن سياق تحقيق "الخبر عن الاجتماع الإنساني" بسبب تطرّق الكذب إليه، فتجتمع كلُّها على "طبيعة العمران البشري" أي على كامل الأبواب الستة المؤلفة للمقدمة. إنّ أول ما وضعت الإنسانية من كتب "الطبائع"، طبائع الإنسانية، والذهن الإنساني، والسياسة ...  لهو بحق كتاب عبد الرحمان بن خلدون، وإذا كانت حداثة الفكر إنما تقاس بعودتها على الإنسان، على جهة امتحان قدراته، وتصنيف طبائعه ضمن كلّ الانثروبولوجيات الفلسفية المعروفة، فإنّ حداثة ابن خلدون تكون بذلك غنية عن كلّ تنويه.
      هكذا يحملني التّفكير في معايير تحقيق الخبر التّاريخي، هكذا يحملني امتحان الذّاكرة،   إلى التّساؤل عن نفسي أي عن كلّ إحداثيات الذّاكرة: ما معنى أنّني ذاكرة؟ ذلك هو سؤال المقدّمة الذي يسبق سؤالها، وجوابه أنّ الذاكرة عبرة. فليست العبرة لذلك استقراء لكثرة الأحداث ولتعاقبها ولسببيتها المخصوصة، إلا لأنها قبل ذلك، إلا لأنها جوهريا، تأمل في طبيعة الحامل الذي "تحدث له" هذه الأحداث، بل هي، قبل ذلك تأمّل في طبيعة "الحدوث" الذي هو مرجع كلّ خبر، أعني العمران : لابدّ أن ندرك ما في لفظة العمران من فاعلية، بل من فعالية الإحداث وإخراج الأثر : إنّ العمران هو فعل التعمير والعمارة والإعمار والاستعمار، هو هذا الفعل مصرفا في جميع أزمنة الفعل.
      ثمة إذاً حدثيةٌ أساسيةٌ ليست رواية للأحداث : وإني أريد أن أجد فيها مقوّم العبرة الأساسي : النسيان. فما بين كتاب "العبر[ة]" وكتاب "مولد النسيان" تنتشر فكرة تونس التي لا يريد أن يراها السياسيون لأنها تحول عملهم جفاء، ولا يريد أن يراها أصحاب صناعة الأدب والتاريخ والفكر لأنهم  لا يرون إلا الوجدان.            



[1] يستعمل ابن خلدون العبارة في حرفها حين يقول ناقدا أسلوب الكتابة "التقليدية" للتاريخ : "فيجلبون الأخبار عن الدول وحكايات الوقائع في العصور الأول، صورا قد تجردت عن موادها

dimanche 29 janvier 2012

المقال السادس : التنوير الذي يطالب به التونسيون اليوم

حوار دار بيني وبين أحد أصدقائي حول :
التنوير الذي يطالِب به التونسيون اليوم
[منقول من صفحتي للفيسبوك]
محمد أبو هاشم محجوب :
التونسيّ اليوم لم يعد يقبل أن يملي عليه  أحدٌ إيمانه ولا فكره ولا رأيه ولا موقفه ولا فهمه للقرآن ولا قراءته  للحديث. ولذلك  هو لم يعد يقبل أ ن يكفّره أحد . التونسي اليوم  يطالب ألاّ يمنعه أحدٌ من التفكير بنفسه، ولذلك هو لم يعد يقبل أن  تنتصب في الشوارع أسراب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا أن تنتصب لمحاكمته محاكم أفراد أو جماعات غير المؤسسات المخولة لذلك. فهو قادر على أن يعود إلى نفس النصوص التي يعودون إليها، بنفسه، وهو قادر على أن يجادل القراءات بنفسه. انتهى عهد "سيدي الشيخ"، وعهد سيدي المؤدب، وعهد سيدي الفقيه، وعهد سيدي الخليفة.، بعد أن انتهى عهد سيدي الحاكم، وسيدي البوليس.  التونسي اليوم يريد أن يكون حرا، فلا يقبل بالحرية بديلا : ذلك هو التنوير الذي يطالب به التونسي اليوم. وعلى الجميع أن يفهموا ذلك : الجميع : أعني حكام تونس وفقهاءها الذين مازالوا يتصرفون مع التونسيين كما لو كانوا جمهور الأمّيين الذين عاصرهم مالك أو الشافعي أو ابن حنبل أو أبو حنيفة رحمهم الله.

الصديق لطفي زكري : Haut du formulaire
هل يريد التونسي أن يسحب هذا المطلب التنويري على جميع وجوه الاختصاص بما فيها الفلسفة والعلم والقانون و... أم أن الأمر يقتصر على القرآن والحديث؟ ربي يهديك يا سي محمد عهدي بك أرفع فكرا وأكثر تواضعا وأحسب أنه لا يليق بمفكر أن يصطفّ وراء المتاجرين بحقوق الإنسان. وأشعر أنك ترانا أحسن حالا من الأميين الذين حاورهم مالك وأبو حنيفة والشافعي وبن حنبل، وهو رأي أستغربه منكم لأنكم أعلم الناس بأن الأمية منذ الإغريق (سقراط) وحتى ظهور الإسلام كانت فضيلة فيما كانت المعرفة بالقراءة والكتابة شأنا خاصا بقلة ليست من علية القوم. لقد كان سقراط يحذر من خطر الكتابة وعلى الذاكرة. كما كان شعراء المعلّقات أمّيين وهو ما يحتّم علينا إعادة النظر في فهم صفة النبي الأمي في هذا الاتجاه. ثم إنّ تلك الأمية لم تمنع قيام علاقات حوارية راقية لدى الإغريق ولدى العرب المسلمين قد نكون اليوم بأمس الحاجة إلى الاستفادة منها. إننا اليوم أميون من نوع آخر...

محمد أبو هاشم محجوب :
أعد قراءة ما كتبتُ سي لطفي . مع الأسف لم تفهم ما قلته . وما يهمّك الآن أصبح الانتصار لفريق دون فريق مهما كانت التضحية بالمنهج بالمعقولية. ولذلك لا تأخذ الوقت الكافي ولا تتريث قبل الجواب. التونسي اليوم لم يعد في حاجة إلى فقهاء يحكمونه وإنما إلى ساسة يديرون شؤونه في نطاق الحرية واستقلال الإرادة واستقلال الفهم. أما الفلسفة والعلوم فهذه مهن وصنائع، وليس كلّ تونسي كيميائيا ولا فيزيائيا ولا متفلسفا، ولكنّ كل تونسي مسلم، ولذلك نحن نتعامل مع الشأن الذي يهم كلّ تونسي والذي يريد السلفيون وبعض المتعاطفين معهم من النهضة أن يقولوا إنه شأنهم وإنهم مسؤولون عن التحكم في كيفية فهم الناس للقرآن.
فهم القرآن ليس صناعة أو مهنة يختص بها بعض أصحاب الصنائع. وأعرف أن أصحاب الأحزاب الدينية لن يوافقوني في هذا الرأي لأنه ينهي احتكارهم للإيمان، في حين أن المسؤولية الشخصية على الإيمان وعلى الفهم وعلى تطبيق الإيمان هي من أوكد ما نادى به القرآن، اللّهم إلا أن تعتبر أنّ القرآن لم يأت لتحرير الناس. عقيدتي هي أن الإسلام جاء ليعطي للفرد حريته ولذلك هو دين المسؤولية والجزاء. فلا ينتصبن بعد اليوم أحد ليقول لنا ما هو الإيمان الصحيح ولا ما هي الصلاة الصحيحة ولا ما هي الواجبات، وليفرض علينا ذلك . لكل فرد مسؤوليته عما يفعل، وليس على الدولة أن تتحول ناطقا باسم فهم ما. إنها فقط ضامن الحرية الجماعية أي الحرية التي لا تتحول بها حرية فرد من الأفراد إلى وبال على غيره، أو إلى مانع من تحقيق حرية غيره.
لقد كان من المفهوم أن يكون في ما مضى فقهاء ورجال دين، لأنّ الأغلبية السّاحقة السّاحقة من النّاس لم تكن تحسن حتى تهجي الحروف. أما اليوم فكلّ النّاس يقرؤون وكلّ الناس قادرون على أن يذهبوا بواسطة الضغط على مجرد زرّ إلى كل التفاسير وكل الشروح وكل المدونات : دعوا الناس يقرؤون ويتحملون مسؤوليتهم أمام الله. هذا هو المشكل مع المنتصرين إلى الأحزاب الدينية : أنهم يجعلون السيطرة السياسية مخلوطة بمباركة ربانية مقدسة، وليس لهم الحق في ذلك : نحن في مجال الحياة، وفي مجال الممارسة اليومية التي ترك لنا أمرها، وعلينا أن نتدبرها في نطاق اختلاف الآراء. يكفي من تكفير الناس بل حتى من مجرد تصنيفهم بحسب إيمانهم أو عدمه. لا وجاهة ولا حقيقة في ذلك. لم نعد أميين ! نعم لم نعد أميين. ويكفي من الأئمة الذين يتعاملون مع الناس وكأنهم لا يعرفون في حين هم يدقدقون اللغة والمعرفة . لقد دخلت المساجد لأصلّي فوجدت الإئمة أكبر المنفّرين من الصلاة إلى الرحمان. وجدتهم يأمرون بالتصويت للنهضة، ويسبون أحزابا بعينها. ولا تقل لي إن هذه استثناءات : هي ليست استثناءات بل هي القاعدة، ولكنه لا يناسب البعض أن يعترف بها. إنّ ما يخيف ليس أن يصدّقهم الناس وإنما المخيف أن يخرج الناس من بيوت الله إلى عراء الصحراء ليصلوا لإله أرحم وأنزه وأرفع وأعلى من إله أئمة النهضة وحلفائها. هذه هي العدمية كما تعلم يا سي لطفي : أن يكون الفهم الفقهي للإسلام طريقا لنفي الله أي لخروج الناس من الإيمان. هل تقبل يا لطفي أن تكون أنت من يدعو إلى إبطال دين محمد ؟ يكفي من الضحك على الذقون. هل كتب علينا أن نتحمل أئمة حزب أو أحزاب سياسية. هل كتب علينا أن ندعو خلف من يصب جام غضبه ويستصبب غضب الرحمان على أحزاب بعينها. لم نعد اليوم أميين، وأؤكد لك أن مثل هذا الوضع لو تواصل لأدى إلى أن يكفر شباب تونس بدين الإسلام الذي امتهنته الأحزاب . إنكم لا ترون إلا هذه اللحظة وتسعدون بها، ولا تفكرون استراتيجيا. إن الدين ليس اختصاصا ، ولن تجد في القرآن ما يبرئ الناس بفعل اختصاص غيرهم بمعرفة الدين.أم هل ضمنتم من الله أن فهمكم هو الفهم القويم ؟ إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأشهد تبعا لذلك أن الأحزاب الدينية هي أول من ينفر الناس من الدين ، لأن الله هداني النجدين حين تريد هي أن تكون لها الإمرة عليهما فلا تبقي لي إلا على نجد واحد تعتقد هي أنه الأوحد. وأخير يا سي لطفي لا شك أنك تحلم بأن ترى تونس مدينة فاضلة على شريعة الله. ولكني أحلم بأن أرى قرآن الله قد بات من مقروءات كل التونسيين وأحلم أن أراهم تبعا لذلك يفجرون المعاني والطاقات تحقيقا لغاية الله من الخلق، أعني غاية الذهاب بعيدا في السيادة الخلقية على الأرض، وفي علوية الخير على الشر، وفي علوية الحرية على الاستعباد.
ملاحظات أخيرة : كلمة المتاجرين بحقوق الإنسان يمكن أن نقابلها بكلمة المتاجرين بالدين . فلا تستعمل معي هذا المعجم مستقبلا. 2/ نقد سقراط للكتابة لم يكن أبدا إعلاء للأمية، وهذا من عجيب ما تقول. 3/ شعراء المعلقات من الأميين : أعد قراءة المعلقات . 4/ الأمية المقصودة عندي هي العجز عن الوصول إلى المعرفة.
Bas du formulaire

lundi 23 janvier 2012

المقال الرابع : أيها الوزير : نريدك أن تبقى محترما


أيها الوزير : نريدك أن تبقى محترما


كان بإمكانك أيها الوزير أن تخرج من مأزقِ ما كنتَ كتبتَ عن الدوعاجي في سياق قديم يرجع إلى سنة 2006 ، أن تخرج منه بخفّة السياسي الفطن، وبالتركيز على الجوهري الأساسي. ولكنّك سقطت مثلما يسقط أيّ غر. ولا يليق بوزير تونس للتعليم العالي أن يقع كما وقعت. فقد قلت  في ما لا يزيد عن الدّقائق المعدودة ما يلي تقريبا:
    إنّك لا تعرف الدوعاجي ولم تقرأ له غير هذاك النصّ المسكين
   إنك لا تسمح بتدريس نص علي الدوعاجي الذي ذكرته، وأنك [وهذا مستنتج من كلامك] ضدّ تعدد الآراء في مناهجنا التربوية ولو كانت موضوع دراسة، ويمكن الرد عليك بسهولة بأنّ  نص علي الدوعاجي ليس تعليمات وأوامر وإنما هو موضوع للدرس والمناقشة في القسم وهو ما يقوم به أساتذتنا الذين كونتهم الجامعة التونسية تكوينا قويما
  إنك لا تعرف تاريخ تونس المعاصرة الأدبي والفكري وتكتفي في معرفته بما كان لوح به أستاذ لك ذات يوم في درس من الدّروس وفي نطاق أقوال مستهلكة ملوكة
إنّاختصاصك "العلمي" يبرّر عدم اطلاعك على الأدب وعلى ثقافة تونس وفكرها.
أيها الوزير :
 لا شك أنّك تعرف أنّ صاحب أكبر مصنف معاصر في تفسير القرآن الكريم، وصاحب مدرسة من أهم مدارس التفسير، ألا وهي المدرسة المقاصدية، وصاحب المؤلف الشهير في تعصير المناهج التربوية الزيتونية، أعني الشيخ العلامة الطاهر ابن عاشور، رحمه الله، قد أخرج للناس شرحا وتحقيقا علميين نادرين لديوان الشاعر بشار بن برد ، وهو من هو في تاريخ الادب العربي، وهو من هو في صروف الزندقة والزنا وشرب الخمر والغلمانيات، وخصص له من حياته من الوقت ما لا أحسب أنه يقل عن السنين الطوال، والله اعلم : فهل ستقضي حكومتكم الرشيدة باستبعاد ديوان بشار واستبعاد التحرير والتنوير واستبعاد "أليس الصبح بقريب واستبعاد "مقاصد الشريعة" من رفوف المكتبات التونسية ؟ هل قرأت أيها الوزير يوما كتاب الأيام لطه حسين، وهل قرأت كلامه في سيدنا المؤدب وفي العريف ؟ أم تراك ستنزع صفة الأديب عن طه حسين كذلك. ؟ رويدك أيها الوزير. فهذا مما لا يليق، وإنا نريدك فعلا أن تبقى محترما.
لا شك أيها الوزير أن كلامك سيعجب بسطاء الرأي منا لا لأنه صحيح وثاقب ولكن لأنهم لا يعرفون. وأخشى أن يكون الأمر هكذا في ما ستقدم عليه من سياسة أمر التعليم العالي والجامعة. وذلك هو ما حير الكثيرين فيك.
كان بإمكانك مثلا أن تلاحظ إنّ ما قلتَه في الدّوعاجي قد كان كلاما جداليا في إطار مجابهة شاملة مع ديكتاتورية بن علي، وأنّك اليوم لم تعد تتبناه. كان بإمكانك أن تقول إنّ الأمور قد تغيرت الآن وأن الدّوعاجي  علمٌ من أعلام تونس ولا يحق لنا أن نكبّ سعده مرة أخرى بعد حياة الغلبة التي عاشها. كان بإمكانك أن تتذكّر أنّ كل الذين درسوا أبا نواس لم يصبحوا مدمني خمر، وكان بإمكانك، ولكن لعل هذا كثير عليك، أن تقول إن المرء، ولاسيما متى كان راشدا، حر في تربيته وأن من أراد أن يشرب الخمر أو أن يتركها فهذا شأن شخصي. أليس ذلك هو ما تردده حركتكم أيها الوزير ؟
ألا تجد أيها الوزير أنّه من المحرج أن يتكلم وزير الجامعات أمام من كان ينتظره من الجامعيين حتى يتعرف عليه، وحتى لا ينساق إلى أي حكم مسبق عليه، أن يتكلم بمثل تلك المعرفة "التقريبية" بالثقافة التونسية بل بالثّقافة عموما ؟ ألا ترى أنه من العسير أن يظلّ هؤلاء الجامعيون يرون فيك، بعد أن استمعوا إليك، مثالا لهم  وأنموذجا يشتركون معه في إعادة بناء جامعتهم وترقيتها إلى أعلى المراتب ؟ ماذا تقدّم لهم أيّها الوزير ؟ ما ذا تقدّم لهم من الأفكار ؟
إنّ تقانة المعرفة العلمية، أيها الوزير، لا يمكن أن تصنع سياسة الجامعات، ولا بدّ لكلّ من يريد أن يسوس الجامعات أن يكون بعيد النّظر، واسع الآفاق الفكرية، ولو كان في الأصل صاحب اختصاص ضيق. هل تريد مني أيها الوزير أن أضرب لك أمثلة عن نظرائك في بلدان محترمة  ؟ فاعلم إذن أنّه لما كانت فرصة المسؤولية على الجامعات، وعلى التّعليم العالي والبحث، هي من أشرف الفرص التي يمكن أن تعطى لمواطن  في بلده، فإنه ينبغي على من تناط بعنقه هذه المسؤولية أن يكون في مستواها، وأن يجتهد لذلك. فاجتهد، أصلحك الله، أيها الوزير في تعلّم ما لا تعرف، وفي تدارك ما قد يكون فاتك، ولا تطلع علينا بعد اليوم إلا وأنت عارف لما تتحدّث عنه، ولا تطعن التّونسيين في قيمهم التي تتّسع في أحد أركانها وزواياها، لأمثال علي الدوعاجي والطاهر الحداد، ومنور صمادح، ومحمود المسعدي، ... حتى ولو ضقت بهم أنت ذرعا ، مثلما تتسع لابن خلدون وابني عاشور، وترتوليان، وأوغسطينوس، وابن عرفة، وغيرهم. لا بدّ أن تتساءل عن الأمانة ما مضمونها قبل أن يتملّكك اليقين من أنك أدّيتها بمجرد أداء اليمين، أو بمجرد استعراض بعض الفولكلوريات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن الانطباع الذي خرج به عدد من الجامعيين الذين استمعوا لك بكثير من الانتباه هو أنك لا تمثلهم وأنك قد تكون سلطة على الجامعة لأنك وزير ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجامعة تتعرف فيك إلى نفسها ولا أنها تتماهى معك في منشودها. هيهات ... هيهات...
في حركة النهضة أيها الوزير رجال ما كانوا ليقولوا ما قلتَ ولا ليستهينوا برموز الشعب وتاريخه : في النّهضة أيها الوزير رجال مثل العجمي الوريمي، ومثل عبد الفتاح مورو، وغيرهما كثير، ممن يحترمون روح الشّعب وعبقريتَه، فلا تظنّن نفسك أولى من كلّ هؤلاء بالمسؤولية على عقل الأمّة أم تراك نسيت أنّ الجامعة هي مستودع عقل الشعب، وأنك مؤتمن على تنميته لأنك جئت باسم الثّورة من أجل ذلك .

المقال الخامس : في التدافع الاجتماعي

التدافع الاجتماعي : باسم هذه التفاهة المفهومية
وقع الاعتداء اليوم على زياد وحمادي وعبد الحليم.


الاعتداء اليوم على زياد كريشان وحمادي الرديسي وعبد الحليم المسعودي يعني أن طرفا معينا ممن ينتصر "بالحق الديني" لا يقبل من الإعلاميين ولا من المفكرين ولا من المثقفين ولا من التونسيين من أبناء هذه الأرض  إلا من كان يطبل في اتجاههم. سأكون أكثر  دقة : من دافع فنيا وفكريا وخطابيا على فكرة مخالفة لرأيهم ولمعتقدهم فهو في رأيهم عدو - لا يرون مانعا من استباحة جسده وعرضه وسمعته.
وسأكون أكثر وضوحا: هؤلاء يجدون في لون الحكومة الحالية ما يشجعهم على ذلك. ومادامت الحكومة لم تبعث برسالة واضحة، مضمونها عكس ذلك، فهي فعلا وحقا نصير لهم باسم التفاهة المفهومية للتدافع الاجتماعي التي طلع بها علينا وحيد عصره وجهبذ زمانه، ملهم الثورة ومرشدها الاعلى.
  إني أرى أنّ الديكتاتورية عائدة بدون شك إذا لم يضع المجتمع، من خلال عبارته السياسية، أي من خلال الدولة،  حدا لهذا الميل البدائي والنزقي الأعمى  نحو قتل المختلف وإسكاته. على المجتمع حتى يكون مجتمعا بحق وحتى يستحق مدنيته أن يسيطر على نوازع القتل فيه من خلال ضوابط القانون. عليه أن يعلّم افراده رفع بدائية رد الفعل إلى العبارة الثقافية عن الاختلاف.  عليه أن يعلن عاليا أن الكفر الحقيقي هو في تكفير الآخرين، وفي الانتصاب بديلا عن الإلاه،  وفي القضاء بموجب عدالة يوهمون بأنها إرادة الله،  لكأنهم يعرفون هذه الإرادة، أو لكأن الله قد أفضى بها لهم وبشّرهم بالجنة  لهم،  وبشّرهم بالعذاب لمن يخالفهم في الرأي.