مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

dimanche 29 janvier 2012

المقال السادس : التنوير الذي يطالب به التونسيون اليوم

حوار دار بيني وبين أحد أصدقائي حول :
التنوير الذي يطالِب به التونسيون اليوم
[منقول من صفحتي للفيسبوك]
محمد أبو هاشم محجوب :
التونسيّ اليوم لم يعد يقبل أن يملي عليه  أحدٌ إيمانه ولا فكره ولا رأيه ولا موقفه ولا فهمه للقرآن ولا قراءته  للحديث. ولذلك  هو لم يعد يقبل أ ن يكفّره أحد . التونسي اليوم  يطالب ألاّ يمنعه أحدٌ من التفكير بنفسه، ولذلك هو لم يعد يقبل أن  تنتصب في الشوارع أسراب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا أن تنتصب لمحاكمته محاكم أفراد أو جماعات غير المؤسسات المخولة لذلك. فهو قادر على أن يعود إلى نفس النصوص التي يعودون إليها، بنفسه، وهو قادر على أن يجادل القراءات بنفسه. انتهى عهد "سيدي الشيخ"، وعهد سيدي المؤدب، وعهد سيدي الفقيه، وعهد سيدي الخليفة.، بعد أن انتهى عهد سيدي الحاكم، وسيدي البوليس.  التونسي اليوم يريد أن يكون حرا، فلا يقبل بالحرية بديلا : ذلك هو التنوير الذي يطالب به التونسي اليوم. وعلى الجميع أن يفهموا ذلك : الجميع : أعني حكام تونس وفقهاءها الذين مازالوا يتصرفون مع التونسيين كما لو كانوا جمهور الأمّيين الذين عاصرهم مالك أو الشافعي أو ابن حنبل أو أبو حنيفة رحمهم الله.

الصديق لطفي زكري : Haut du formulaire
هل يريد التونسي أن يسحب هذا المطلب التنويري على جميع وجوه الاختصاص بما فيها الفلسفة والعلم والقانون و... أم أن الأمر يقتصر على القرآن والحديث؟ ربي يهديك يا سي محمد عهدي بك أرفع فكرا وأكثر تواضعا وأحسب أنه لا يليق بمفكر أن يصطفّ وراء المتاجرين بحقوق الإنسان. وأشعر أنك ترانا أحسن حالا من الأميين الذين حاورهم مالك وأبو حنيفة والشافعي وبن حنبل، وهو رأي أستغربه منكم لأنكم أعلم الناس بأن الأمية منذ الإغريق (سقراط) وحتى ظهور الإسلام كانت فضيلة فيما كانت المعرفة بالقراءة والكتابة شأنا خاصا بقلة ليست من علية القوم. لقد كان سقراط يحذر من خطر الكتابة وعلى الذاكرة. كما كان شعراء المعلّقات أمّيين وهو ما يحتّم علينا إعادة النظر في فهم صفة النبي الأمي في هذا الاتجاه. ثم إنّ تلك الأمية لم تمنع قيام علاقات حوارية راقية لدى الإغريق ولدى العرب المسلمين قد نكون اليوم بأمس الحاجة إلى الاستفادة منها. إننا اليوم أميون من نوع آخر...

محمد أبو هاشم محجوب :
أعد قراءة ما كتبتُ سي لطفي . مع الأسف لم تفهم ما قلته . وما يهمّك الآن أصبح الانتصار لفريق دون فريق مهما كانت التضحية بالمنهج بالمعقولية. ولذلك لا تأخذ الوقت الكافي ولا تتريث قبل الجواب. التونسي اليوم لم يعد في حاجة إلى فقهاء يحكمونه وإنما إلى ساسة يديرون شؤونه في نطاق الحرية واستقلال الإرادة واستقلال الفهم. أما الفلسفة والعلوم فهذه مهن وصنائع، وليس كلّ تونسي كيميائيا ولا فيزيائيا ولا متفلسفا، ولكنّ كل تونسي مسلم، ولذلك نحن نتعامل مع الشأن الذي يهم كلّ تونسي والذي يريد السلفيون وبعض المتعاطفين معهم من النهضة أن يقولوا إنه شأنهم وإنهم مسؤولون عن التحكم في كيفية فهم الناس للقرآن.
فهم القرآن ليس صناعة أو مهنة يختص بها بعض أصحاب الصنائع. وأعرف أن أصحاب الأحزاب الدينية لن يوافقوني في هذا الرأي لأنه ينهي احتكارهم للإيمان، في حين أن المسؤولية الشخصية على الإيمان وعلى الفهم وعلى تطبيق الإيمان هي من أوكد ما نادى به القرآن، اللّهم إلا أن تعتبر أنّ القرآن لم يأت لتحرير الناس. عقيدتي هي أن الإسلام جاء ليعطي للفرد حريته ولذلك هو دين المسؤولية والجزاء. فلا ينتصبن بعد اليوم أحد ليقول لنا ما هو الإيمان الصحيح ولا ما هي الصلاة الصحيحة ولا ما هي الواجبات، وليفرض علينا ذلك . لكل فرد مسؤوليته عما يفعل، وليس على الدولة أن تتحول ناطقا باسم فهم ما. إنها فقط ضامن الحرية الجماعية أي الحرية التي لا تتحول بها حرية فرد من الأفراد إلى وبال على غيره، أو إلى مانع من تحقيق حرية غيره.
لقد كان من المفهوم أن يكون في ما مضى فقهاء ورجال دين، لأنّ الأغلبية السّاحقة السّاحقة من النّاس لم تكن تحسن حتى تهجي الحروف. أما اليوم فكلّ النّاس يقرؤون وكلّ الناس قادرون على أن يذهبوا بواسطة الضغط على مجرد زرّ إلى كل التفاسير وكل الشروح وكل المدونات : دعوا الناس يقرؤون ويتحملون مسؤوليتهم أمام الله. هذا هو المشكل مع المنتصرين إلى الأحزاب الدينية : أنهم يجعلون السيطرة السياسية مخلوطة بمباركة ربانية مقدسة، وليس لهم الحق في ذلك : نحن في مجال الحياة، وفي مجال الممارسة اليومية التي ترك لنا أمرها، وعلينا أن نتدبرها في نطاق اختلاف الآراء. يكفي من تكفير الناس بل حتى من مجرد تصنيفهم بحسب إيمانهم أو عدمه. لا وجاهة ولا حقيقة في ذلك. لم نعد أميين ! نعم لم نعد أميين. ويكفي من الأئمة الذين يتعاملون مع الناس وكأنهم لا يعرفون في حين هم يدقدقون اللغة والمعرفة . لقد دخلت المساجد لأصلّي فوجدت الإئمة أكبر المنفّرين من الصلاة إلى الرحمان. وجدتهم يأمرون بالتصويت للنهضة، ويسبون أحزابا بعينها. ولا تقل لي إن هذه استثناءات : هي ليست استثناءات بل هي القاعدة، ولكنه لا يناسب البعض أن يعترف بها. إنّ ما يخيف ليس أن يصدّقهم الناس وإنما المخيف أن يخرج الناس من بيوت الله إلى عراء الصحراء ليصلوا لإله أرحم وأنزه وأرفع وأعلى من إله أئمة النهضة وحلفائها. هذه هي العدمية كما تعلم يا سي لطفي : أن يكون الفهم الفقهي للإسلام طريقا لنفي الله أي لخروج الناس من الإيمان. هل تقبل يا لطفي أن تكون أنت من يدعو إلى إبطال دين محمد ؟ يكفي من الضحك على الذقون. هل كتب علينا أن نتحمل أئمة حزب أو أحزاب سياسية. هل كتب علينا أن ندعو خلف من يصب جام غضبه ويستصبب غضب الرحمان على أحزاب بعينها. لم نعد اليوم أميين، وأؤكد لك أن مثل هذا الوضع لو تواصل لأدى إلى أن يكفر شباب تونس بدين الإسلام الذي امتهنته الأحزاب . إنكم لا ترون إلا هذه اللحظة وتسعدون بها، ولا تفكرون استراتيجيا. إن الدين ليس اختصاصا ، ولن تجد في القرآن ما يبرئ الناس بفعل اختصاص غيرهم بمعرفة الدين.أم هل ضمنتم من الله أن فهمكم هو الفهم القويم ؟ إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأشهد تبعا لذلك أن الأحزاب الدينية هي أول من ينفر الناس من الدين ، لأن الله هداني النجدين حين تريد هي أن تكون لها الإمرة عليهما فلا تبقي لي إلا على نجد واحد تعتقد هي أنه الأوحد. وأخير يا سي لطفي لا شك أنك تحلم بأن ترى تونس مدينة فاضلة على شريعة الله. ولكني أحلم بأن أرى قرآن الله قد بات من مقروءات كل التونسيين وأحلم أن أراهم تبعا لذلك يفجرون المعاني والطاقات تحقيقا لغاية الله من الخلق، أعني غاية الذهاب بعيدا في السيادة الخلقية على الأرض، وفي علوية الخير على الشر، وفي علوية الحرية على الاستعباد.
ملاحظات أخيرة : كلمة المتاجرين بحقوق الإنسان يمكن أن نقابلها بكلمة المتاجرين بالدين . فلا تستعمل معي هذا المعجم مستقبلا. 2/ نقد سقراط للكتابة لم يكن أبدا إعلاء للأمية، وهذا من عجيب ما تقول. 3/ شعراء المعلقات من الأميين : أعد قراءة المعلقات . 4/ الأمية المقصودة عندي هي العجز عن الوصول إلى المعرفة.
Bas du formulaire

lundi 23 janvier 2012

المقال الرابع : أيها الوزير : نريدك أن تبقى محترما


أيها الوزير : نريدك أن تبقى محترما


كان بإمكانك أيها الوزير أن تخرج من مأزقِ ما كنتَ كتبتَ عن الدوعاجي في سياق قديم يرجع إلى سنة 2006 ، أن تخرج منه بخفّة السياسي الفطن، وبالتركيز على الجوهري الأساسي. ولكنّك سقطت مثلما يسقط أيّ غر. ولا يليق بوزير تونس للتعليم العالي أن يقع كما وقعت. فقد قلت  في ما لا يزيد عن الدّقائق المعدودة ما يلي تقريبا:
    إنّك لا تعرف الدوعاجي ولم تقرأ له غير هذاك النصّ المسكين
   إنك لا تسمح بتدريس نص علي الدوعاجي الذي ذكرته، وأنك [وهذا مستنتج من كلامك] ضدّ تعدد الآراء في مناهجنا التربوية ولو كانت موضوع دراسة، ويمكن الرد عليك بسهولة بأنّ  نص علي الدوعاجي ليس تعليمات وأوامر وإنما هو موضوع للدرس والمناقشة في القسم وهو ما يقوم به أساتذتنا الذين كونتهم الجامعة التونسية تكوينا قويما
  إنك لا تعرف تاريخ تونس المعاصرة الأدبي والفكري وتكتفي في معرفته بما كان لوح به أستاذ لك ذات يوم في درس من الدّروس وفي نطاق أقوال مستهلكة ملوكة
إنّاختصاصك "العلمي" يبرّر عدم اطلاعك على الأدب وعلى ثقافة تونس وفكرها.
أيها الوزير :
 لا شك أنّك تعرف أنّ صاحب أكبر مصنف معاصر في تفسير القرآن الكريم، وصاحب مدرسة من أهم مدارس التفسير، ألا وهي المدرسة المقاصدية، وصاحب المؤلف الشهير في تعصير المناهج التربوية الزيتونية، أعني الشيخ العلامة الطاهر ابن عاشور، رحمه الله، قد أخرج للناس شرحا وتحقيقا علميين نادرين لديوان الشاعر بشار بن برد ، وهو من هو في تاريخ الادب العربي، وهو من هو في صروف الزندقة والزنا وشرب الخمر والغلمانيات، وخصص له من حياته من الوقت ما لا أحسب أنه يقل عن السنين الطوال، والله اعلم : فهل ستقضي حكومتكم الرشيدة باستبعاد ديوان بشار واستبعاد التحرير والتنوير واستبعاد "أليس الصبح بقريب واستبعاد "مقاصد الشريعة" من رفوف المكتبات التونسية ؟ هل قرأت أيها الوزير يوما كتاب الأيام لطه حسين، وهل قرأت كلامه في سيدنا المؤدب وفي العريف ؟ أم تراك ستنزع صفة الأديب عن طه حسين كذلك. ؟ رويدك أيها الوزير. فهذا مما لا يليق، وإنا نريدك فعلا أن تبقى محترما.
لا شك أيها الوزير أن كلامك سيعجب بسطاء الرأي منا لا لأنه صحيح وثاقب ولكن لأنهم لا يعرفون. وأخشى أن يكون الأمر هكذا في ما ستقدم عليه من سياسة أمر التعليم العالي والجامعة. وذلك هو ما حير الكثيرين فيك.
كان بإمكانك مثلا أن تلاحظ إنّ ما قلتَه في الدّوعاجي قد كان كلاما جداليا في إطار مجابهة شاملة مع ديكتاتورية بن علي، وأنّك اليوم لم تعد تتبناه. كان بإمكانك أن تقول إنّ الأمور قد تغيرت الآن وأن الدّوعاجي  علمٌ من أعلام تونس ولا يحق لنا أن نكبّ سعده مرة أخرى بعد حياة الغلبة التي عاشها. كان بإمكانك أن تتذكّر أنّ كل الذين درسوا أبا نواس لم يصبحوا مدمني خمر، وكان بإمكانك، ولكن لعل هذا كثير عليك، أن تقول إن المرء، ولاسيما متى كان راشدا، حر في تربيته وأن من أراد أن يشرب الخمر أو أن يتركها فهذا شأن شخصي. أليس ذلك هو ما تردده حركتكم أيها الوزير ؟
ألا تجد أيها الوزير أنّه من المحرج أن يتكلم وزير الجامعات أمام من كان ينتظره من الجامعيين حتى يتعرف عليه، وحتى لا ينساق إلى أي حكم مسبق عليه، أن يتكلم بمثل تلك المعرفة "التقريبية" بالثقافة التونسية بل بالثّقافة عموما ؟ ألا ترى أنه من العسير أن يظلّ هؤلاء الجامعيون يرون فيك، بعد أن استمعوا إليك، مثالا لهم  وأنموذجا يشتركون معه في إعادة بناء جامعتهم وترقيتها إلى أعلى المراتب ؟ ماذا تقدّم لهم أيّها الوزير ؟ ما ذا تقدّم لهم من الأفكار ؟
إنّ تقانة المعرفة العلمية، أيها الوزير، لا يمكن أن تصنع سياسة الجامعات، ولا بدّ لكلّ من يريد أن يسوس الجامعات أن يكون بعيد النّظر، واسع الآفاق الفكرية، ولو كان في الأصل صاحب اختصاص ضيق. هل تريد مني أيها الوزير أن أضرب لك أمثلة عن نظرائك في بلدان محترمة  ؟ فاعلم إذن أنّه لما كانت فرصة المسؤولية على الجامعات، وعلى التّعليم العالي والبحث، هي من أشرف الفرص التي يمكن أن تعطى لمواطن  في بلده، فإنه ينبغي على من تناط بعنقه هذه المسؤولية أن يكون في مستواها، وأن يجتهد لذلك. فاجتهد، أصلحك الله، أيها الوزير في تعلّم ما لا تعرف، وفي تدارك ما قد يكون فاتك، ولا تطلع علينا بعد اليوم إلا وأنت عارف لما تتحدّث عنه، ولا تطعن التّونسيين في قيمهم التي تتّسع في أحد أركانها وزواياها، لأمثال علي الدوعاجي والطاهر الحداد، ومنور صمادح، ومحمود المسعدي، ... حتى ولو ضقت بهم أنت ذرعا ، مثلما تتسع لابن خلدون وابني عاشور، وترتوليان، وأوغسطينوس، وابن عرفة، وغيرهم. لا بدّ أن تتساءل عن الأمانة ما مضمونها قبل أن يتملّكك اليقين من أنك أدّيتها بمجرد أداء اليمين، أو بمجرد استعراض بعض الفولكلوريات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن الانطباع الذي خرج به عدد من الجامعيين الذين استمعوا لك بكثير من الانتباه هو أنك لا تمثلهم وأنك قد تكون سلطة على الجامعة لأنك وزير ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجامعة تتعرف فيك إلى نفسها ولا أنها تتماهى معك في منشودها. هيهات ... هيهات...
في حركة النهضة أيها الوزير رجال ما كانوا ليقولوا ما قلتَ ولا ليستهينوا برموز الشعب وتاريخه : في النّهضة أيها الوزير رجال مثل العجمي الوريمي، ومثل عبد الفتاح مورو، وغيرهما كثير، ممن يحترمون روح الشّعب وعبقريتَه، فلا تظنّن نفسك أولى من كلّ هؤلاء بالمسؤولية على عقل الأمّة أم تراك نسيت أنّ الجامعة هي مستودع عقل الشعب، وأنك مؤتمن على تنميته لأنك جئت باسم الثّورة من أجل ذلك .

المقال الخامس : في التدافع الاجتماعي

التدافع الاجتماعي : باسم هذه التفاهة المفهومية
وقع الاعتداء اليوم على زياد وحمادي وعبد الحليم.


الاعتداء اليوم على زياد كريشان وحمادي الرديسي وعبد الحليم المسعودي يعني أن طرفا معينا ممن ينتصر "بالحق الديني" لا يقبل من الإعلاميين ولا من المفكرين ولا من المثقفين ولا من التونسيين من أبناء هذه الأرض  إلا من كان يطبل في اتجاههم. سأكون أكثر  دقة : من دافع فنيا وفكريا وخطابيا على فكرة مخالفة لرأيهم ولمعتقدهم فهو في رأيهم عدو - لا يرون مانعا من استباحة جسده وعرضه وسمعته.
وسأكون أكثر وضوحا: هؤلاء يجدون في لون الحكومة الحالية ما يشجعهم على ذلك. ومادامت الحكومة لم تبعث برسالة واضحة، مضمونها عكس ذلك، فهي فعلا وحقا نصير لهم باسم التفاهة المفهومية للتدافع الاجتماعي التي طلع بها علينا وحيد عصره وجهبذ زمانه، ملهم الثورة ومرشدها الاعلى.
  إني أرى أنّ الديكتاتورية عائدة بدون شك إذا لم يضع المجتمع، من خلال عبارته السياسية، أي من خلال الدولة،  حدا لهذا الميل البدائي والنزقي الأعمى  نحو قتل المختلف وإسكاته. على المجتمع حتى يكون مجتمعا بحق وحتى يستحق مدنيته أن يسيطر على نوازع القتل فيه من خلال ضوابط القانون. عليه أن يعلّم افراده رفع بدائية رد الفعل إلى العبارة الثقافية عن الاختلاف.  عليه أن يعلن عاليا أن الكفر الحقيقي هو في تكفير الآخرين، وفي الانتصاب بديلا عن الإلاه،  وفي القضاء بموجب عدالة يوهمون بأنها إرادة الله،  لكأنهم يعرفون هذه الإرادة، أو لكأن الله قد أفضى بها لهم وبشّرهم بالجنة  لهم،  وبشّرهم بالعذاب لمن يخالفهم في الرأي.