حوار دار بيني وبين أحد أصدقائي حول :
التنوير الذي يطالِب به
التونسيون اليوم
[منقول من صفحتي للفيسبوك]
محمد أبو هاشم محجوب :
التونسيّ اليوم لم يعد يقبل أن يملي
عليه أحدٌ إيمانه ولا فكره ولا رأيه ولا موقفه ولا فهمه للقرآن ولا قراءته
للحديث. ولذلك هو لم يعد يقبل أ ن يكفّره أحد . التونسي
اليوم يطالب ألاّ يمنعه أحدٌ من التفكير بنفسه، ولذلك هو لم يعد يقبل أن
تنتصب في الشوارع أسراب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا أن تنتصب
لمحاكمته محاكم أفراد أو جماعات غير المؤسسات المخولة لذلك. فهو قادر على أن يعود
إلى نفس النصوص التي يعودون إليها، بنفسه، وهو قادر على أن يجادل القراءات بنفسه.
انتهى عهد "سيدي الشيخ"، وعهد سيدي المؤدب، وعهد سيدي الفقيه، وعهد سيدي
الخليفة.، بعد أن انتهى عهد سيدي الحاكم، وسيدي البوليس. التونسي اليوم يريد
أن يكون حرا، فلا يقبل بالحرية بديلا : ذلك هو التنوير الذي يطالب به التونسي
اليوم. وعلى الجميع أن يفهموا ذلك : الجميع : أعني حكام تونس وفقهاءها الذين
مازالوا يتصرفون مع التونسيين كما لو كانوا جمهور الأمّيين الذين عاصرهم مالك أو
الشافعي أو ابن حنبل أو أبو حنيفة رحمهم الله.
الصديق لطفي زكري :
هل يريد التونسي أن
يسحب هذا المطلب التنويري على جميع وجوه الاختصاص بما فيها الفلسفة والعلم
والقانون و... أم أن الأمر يقتصر على القرآن والحديث؟ ربي يهديك يا سي محمد عهدي
بك أرفع فكرا وأكثر تواضعا وأحسب أنه لا يليق بمفكر أن يصطفّ وراء المتاجرين بحقوق
الإنسان. وأشعر أنك ترانا أحسن حالا من الأميين الذين حاورهم مالك وأبو حنيفة
والشافعي وبن حنبل، وهو رأي أستغربه منكم لأنكم أعلم الناس بأن الأمية منذ الإغريق
(سقراط) وحتى ظهور الإسلام كانت فضيلة فيما كانت المعرفة بالقراءة والكتابة شأنا
خاصا بقلة ليست من علية القوم. لقد كان سقراط يحذر من خطر الكتابة وعلى الذاكرة.
كما كان شعراء المعلّقات أمّيين وهو ما يحتّم علينا إعادة النظر في فهم صفة النبي
الأمي في هذا الاتجاه. ثم إنّ تلك الأمية لم تمنع قيام علاقات حوارية راقية لدى
الإغريق ولدى العرب المسلمين قد نكون اليوم بأمس الحاجة إلى الاستفادة منها. إننا
اليوم أميون من نوع آخر...
محمد أبو هاشم محجوب :
أعد قراءة ما كتبتُ سي لطفي . مع الأسف لم تفهم ما قلته . وما يهمّك الآن أصبح
الانتصار لفريق دون فريق مهما كانت التضحية بالمنهج بالمعقولية. ولذلك لا تأخذ
الوقت الكافي ولا تتريث قبل الجواب. التونسي اليوم لم يعد في حاجة إلى فقهاء
يحكمونه وإنما إلى ساسة يديرون شؤونه في نطاق الحرية واستقلال الإرادة واستقلال
الفهم. أما الفلسفة والعلوم فهذه مهن وصنائع، وليس كلّ تونسي كيميائيا ولا
فيزيائيا ولا متفلسفا، ولكنّ كل تونسي مسلم، ولذلك نحن نتعامل مع الشأن الذي يهم
كلّ تونسي والذي يريد السلفيون وبعض المتعاطفين معهم من النهضة أن يقولوا إنه
شأنهم وإنهم مسؤولون عن التحكم في كيفية فهم الناس للقرآن.
فهم القرآن ليس صناعة أو مهنة يختص بها بعض أصحاب الصنائع. وأعرف أن أصحاب الأحزاب الدينية لن يوافقوني في هذا الرأي لأنه ينهي احتكارهم للإيمان، في حين أن المسؤولية الشخصية على الإيمان وعلى الفهم وعلى تطبيق الإيمان هي من أوكد ما نادى به القرآن، اللّهم إلا أن تعتبر أنّ القرآن لم يأت لتحرير الناس. عقيدتي هي أن الإسلام جاء ليعطي للفرد حريته ولذلك هو دين المسؤولية والجزاء. فلا ينتصبن بعد اليوم أحد ليقول لنا ما هو الإيمان الصحيح ولا ما هي الصلاة الصحيحة ولا ما هي الواجبات، وليفرض علينا ذلك . لكل فرد مسؤوليته عما يفعل، وليس على الدولة أن تتحول ناطقا باسم فهم ما. إنها فقط ضامن الحرية الجماعية أي الحرية التي لا تتحول بها حرية فرد من الأفراد إلى وبال على غيره، أو إلى مانع من تحقيق حرية غيره.
لقد كان من المفهوم أن يكون في ما مضى فقهاء ورجال دين، لأنّ الأغلبية السّاحقة السّاحقة من النّاس لم تكن تحسن حتى تهجي الحروف. أما اليوم فكلّ النّاس يقرؤون وكلّ الناس قادرون على أن يذهبوا بواسطة الضغط على مجرد زرّ إلى كل التفاسير وكل الشروح وكل المدونات : دعوا الناس يقرؤون ويتحملون مسؤوليتهم أمام الله. هذا هو المشكل مع المنتصرين إلى الأحزاب الدينية : أنهم يجعلون السيطرة السياسية مخلوطة بمباركة ربانية مقدسة، وليس لهم الحق في ذلك : نحن في مجال الحياة، وفي مجال الممارسة اليومية التي ترك لنا أمرها، وعلينا أن نتدبرها في نطاق اختلاف الآراء. يكفي من تكفير الناس بل حتى من مجرد تصنيفهم بحسب إيمانهم أو عدمه. لا وجاهة ولا حقيقة في ذلك. لم نعد أميين ! نعم لم نعد أميين. ويكفي من الأئمة الذين يتعاملون مع الناس وكأنهم لا يعرفون في حين هم يدقدقون اللغة والمعرفة . لقد دخلت المساجد لأصلّي فوجدت الإئمة أكبر المنفّرين من الصلاة إلى الرحمان. وجدتهم يأمرون بالتصويت للنهضة، ويسبون أحزابا بعينها. ولا تقل لي إن هذه استثناءات : هي ليست استثناءات بل هي القاعدة، ولكنه لا يناسب البعض أن يعترف بها. إنّ ما يخيف ليس أن يصدّقهم الناس وإنما المخيف أن يخرج الناس من بيوت الله إلى عراء الصحراء ليصلوا لإله أرحم وأنزه وأرفع وأعلى من إله أئمة النهضة وحلفائها. هذه هي العدمية كما تعلم يا سي لطفي : أن يكون الفهم الفقهي للإسلام طريقا لنفي الله أي لخروج الناس من الإيمان. هل تقبل يا لطفي أن تكون أنت من يدعو إلى إبطال دين محمد ؟ يكفي من الضحك على الذقون. هل كتب علينا أن نتحمل أئمة حزب أو أحزاب سياسية. هل كتب علينا أن ندعو خلف من يصب جام غضبه ويستصبب غضب الرحمان على أحزاب بعينها. لم نعد اليوم أميين، وأؤكد لك أن مثل هذا الوضع لو تواصل لأدى إلى أن يكفر شباب تونس بدين الإسلام الذي امتهنته الأحزاب . إنكم لا ترون إلا هذه اللحظة وتسعدون بها، ولا تفكرون استراتيجيا. إن الدين ليس اختصاصا ، ولن تجد في القرآن ما يبرئ الناس بفعل اختصاص غيرهم بمعرفة الدين.أم هل ضمنتم من الله أن فهمكم هو الفهم القويم ؟ إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأشهد تبعا لذلك أن الأحزاب الدينية هي أول من ينفر الناس من الدين ، لأن الله هداني النجدين حين تريد هي أن تكون لها الإمرة عليهما فلا تبقي لي إلا على نجد واحد تعتقد هي أنه الأوحد. وأخير يا سي لطفي لا شك أنك تحلم بأن ترى تونس مدينة فاضلة على شريعة الله. ولكني أحلم بأن أرى قرآن الله قد بات من مقروءات كل التونسيين وأحلم أن أراهم تبعا لذلك يفجرون المعاني والطاقات تحقيقا لغاية الله من الخلق، أعني غاية الذهاب بعيدا في السيادة الخلقية على الأرض، وفي علوية الخير على الشر، وفي علوية الحرية على الاستعباد.
فهم القرآن ليس صناعة أو مهنة يختص بها بعض أصحاب الصنائع. وأعرف أن أصحاب الأحزاب الدينية لن يوافقوني في هذا الرأي لأنه ينهي احتكارهم للإيمان، في حين أن المسؤولية الشخصية على الإيمان وعلى الفهم وعلى تطبيق الإيمان هي من أوكد ما نادى به القرآن، اللّهم إلا أن تعتبر أنّ القرآن لم يأت لتحرير الناس. عقيدتي هي أن الإسلام جاء ليعطي للفرد حريته ولذلك هو دين المسؤولية والجزاء. فلا ينتصبن بعد اليوم أحد ليقول لنا ما هو الإيمان الصحيح ولا ما هي الصلاة الصحيحة ولا ما هي الواجبات، وليفرض علينا ذلك . لكل فرد مسؤوليته عما يفعل، وليس على الدولة أن تتحول ناطقا باسم فهم ما. إنها فقط ضامن الحرية الجماعية أي الحرية التي لا تتحول بها حرية فرد من الأفراد إلى وبال على غيره، أو إلى مانع من تحقيق حرية غيره.
لقد كان من المفهوم أن يكون في ما مضى فقهاء ورجال دين، لأنّ الأغلبية السّاحقة السّاحقة من النّاس لم تكن تحسن حتى تهجي الحروف. أما اليوم فكلّ النّاس يقرؤون وكلّ الناس قادرون على أن يذهبوا بواسطة الضغط على مجرد زرّ إلى كل التفاسير وكل الشروح وكل المدونات : دعوا الناس يقرؤون ويتحملون مسؤوليتهم أمام الله. هذا هو المشكل مع المنتصرين إلى الأحزاب الدينية : أنهم يجعلون السيطرة السياسية مخلوطة بمباركة ربانية مقدسة، وليس لهم الحق في ذلك : نحن في مجال الحياة، وفي مجال الممارسة اليومية التي ترك لنا أمرها، وعلينا أن نتدبرها في نطاق اختلاف الآراء. يكفي من تكفير الناس بل حتى من مجرد تصنيفهم بحسب إيمانهم أو عدمه. لا وجاهة ولا حقيقة في ذلك. لم نعد أميين ! نعم لم نعد أميين. ويكفي من الأئمة الذين يتعاملون مع الناس وكأنهم لا يعرفون في حين هم يدقدقون اللغة والمعرفة . لقد دخلت المساجد لأصلّي فوجدت الإئمة أكبر المنفّرين من الصلاة إلى الرحمان. وجدتهم يأمرون بالتصويت للنهضة، ويسبون أحزابا بعينها. ولا تقل لي إن هذه استثناءات : هي ليست استثناءات بل هي القاعدة، ولكنه لا يناسب البعض أن يعترف بها. إنّ ما يخيف ليس أن يصدّقهم الناس وإنما المخيف أن يخرج الناس من بيوت الله إلى عراء الصحراء ليصلوا لإله أرحم وأنزه وأرفع وأعلى من إله أئمة النهضة وحلفائها. هذه هي العدمية كما تعلم يا سي لطفي : أن يكون الفهم الفقهي للإسلام طريقا لنفي الله أي لخروج الناس من الإيمان. هل تقبل يا لطفي أن تكون أنت من يدعو إلى إبطال دين محمد ؟ يكفي من الضحك على الذقون. هل كتب علينا أن نتحمل أئمة حزب أو أحزاب سياسية. هل كتب علينا أن ندعو خلف من يصب جام غضبه ويستصبب غضب الرحمان على أحزاب بعينها. لم نعد اليوم أميين، وأؤكد لك أن مثل هذا الوضع لو تواصل لأدى إلى أن يكفر شباب تونس بدين الإسلام الذي امتهنته الأحزاب . إنكم لا ترون إلا هذه اللحظة وتسعدون بها، ولا تفكرون استراتيجيا. إن الدين ليس اختصاصا ، ولن تجد في القرآن ما يبرئ الناس بفعل اختصاص غيرهم بمعرفة الدين.أم هل ضمنتم من الله أن فهمكم هو الفهم القويم ؟ إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأشهد تبعا لذلك أن الأحزاب الدينية هي أول من ينفر الناس من الدين ، لأن الله هداني النجدين حين تريد هي أن تكون لها الإمرة عليهما فلا تبقي لي إلا على نجد واحد تعتقد هي أنه الأوحد. وأخير يا سي لطفي لا شك أنك تحلم بأن ترى تونس مدينة فاضلة على شريعة الله. ولكني أحلم بأن أرى قرآن الله قد بات من مقروءات كل التونسيين وأحلم أن أراهم تبعا لذلك يفجرون المعاني والطاقات تحقيقا لغاية الله من الخلق، أعني غاية الذهاب بعيدا في السيادة الخلقية على الأرض، وفي علوية الخير على الشر، وفي علوية الحرية على الاستعباد.
ملاحظات أخيرة : كلمة المتاجرين بحقوق
الإنسان يمكن أن نقابلها بكلمة المتاجرين بالدين . فلا تستعمل معي هذا المعجم
مستقبلا. 2/ نقد سقراط للكتابة لم يكن أبدا إعلاء للأمية، وهذا من عجيب ما تقول.
3/ شعراء المعلقات من الأميين : أعد قراءة المعلقات . 4/ الأمية المقصودة عندي هي
العجز عن الوصول إلى المعرفة.
