مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

lundi 6 février 2012

المقال السابع [6 فيفري 2012] : ما هي تونس ؟


على غير أوان                                                                                                                                                                   
                     محمّد أبو هاشم   محجوب
 تنبيه : 

 صدر هذاالنصّ [ على غير أوان : ما هي تونس ؟] في صائفة سنة 2009 ضمن إحدى الصّحف السيارة، وفُعل به ما فعل حتى انقطع.
ولكنّ أحدا لم يتفطّن آنذاك إلى ما يحمله هذا النّص الفكري من نقد ذاتي لما انخرطت فيه الجوقة العامّة، دون تفصيل، من الاستعاضة عن التّفكير بالترديد، وإلى ما يحمله من الاستباق إلى طرح سؤال لا أعتقده إلا ملاقيا بعض جوابه في صرخة 14 جانفي 2011.

 لذلك أنشرُه اليوم إنصافا له. وأنشره ليُقرأ، بعد أن مرّ في جلبة الجوق - من وراء الآذان. إنّ شأن الفكر الجوهري أنه لا يُسمع إلا على غير أوان.

ما هي تونس ؟

-VII-

وإنما لذلك استأنفنا النّظر في سؤال "ما هي تونس ؟" بالنّظر في عوائقه، وحدّدنا مفهوم الإنسان الذي درج عليه النّاس، في ما نرى، مستوى من مستويات تلك العوائق : ذلك أنّ الإجابة التاريخية عن هذا السؤال، تنتصر بفسيفسائية  معطيات التّاريخ لتخلص منها إلى  مفهوم فسيفسائي للهويّة، لكأنّما الهوية  سلّة عناصر قد رُصفت جنبا إلى جنب. بل إنّ الإجابة التّاريخية لتتخطّى ذلك لتصوغ مفهوم هويّة ليس سوى صدى، بل هو ليس سوى سطح إسقاط لتعاقب الأحداث تعاقبا تفترض الكتابةُ التّاريخية أنّ فاعليّة كلّ حدث منها في "الهويّة"، فضلا عن كونها فاعليةً مؤكّدة، هي فاعلية بمجرّد الحدوث.
وتتمثّل صورة هذا العائق في كوننا لما كنّا لا نفهم الهويّة إلا من خلال الإنسان، فإنّ السّؤال "ما هي تونس" يعني ضمن هذا التّصور "ما هو الإنسان الذي هو إيّانا". ولذلك فإنّ الإجابة  عن سؤال "ما هي تونس" محدَّدةٌ بالأحكام المسبّقة التي نحملها عن الإنسان وعن إمكانيات تعريفه : ولقد كنت أشرت في سرعة ما إلى أنّ كثرة عناصر الإنسان هي التي باتت تنوب عن تعريفه. ولم يكن قصدي من وراء ذلك أن أجحد تلك الكثرةَ أو أن أدعو إلى تلخيصها واختصارها. وإنما اعتراضي على جهة النّظر الوصفية الإحصائية التي تحكم هذا الموقف : لا نبذا للوصف والعرض، وإنما لأني أجد أن هذا الأسلوب لا يصف بالقدر الكافي وأنّ جهة النظر هذه لا تفي بغرض الفكر من الوصف. فالأحداث التي تؤلّف مادّة الكتابة التّاريخية، هي أحداث دوّنها الذين أخبروا عنها، فجعلوا منها إحداثيات ذاكرة. ولكنّها أحداث رفعها الذين فكّروا فيها وتفكّروها فجعلوا منها سردية كيان، وقصّة وجود. ولذلك فإنه لا يمكن لعبد الرحمان بن خلدون أن يكون العبقري الذي كان، حين فرّق بين الإخبار والتّحقيق، في تعريف هويّة التّاريخ، إلا لأنه أشار وأومأ، بأسلوب الإشارة، بأسلوب الإيماءة [geste] الذي هو أوحد ما يبقى من المفكّر، إلى  العرْض لدى "النّظر والتحقيق" أي لدى الاضطلاع فكراً بالحدث،  أخبارَ الحياة التي تعطيها "التراجم"، على مرآة القصّ الذاتي التي تعطي المعنى.
ماذا كان حدثُ المسيحية التي اضطلع بها أوغستين ؟ لئن نحن نشدنا في كتبه أركان عقيدة وصلوات ابتهال وتوبة، على نحو ما يكون شأن كلّ مؤمن مع كل إيمان، فما أقرب ما ننشد ساعتها. وأمّا إذا ما نظرنا في ما يتيحه الحدث [الذي كان المسيحية] من طلب المعنى ضمن سردية الكيان التي لا أبلغ من عبارة الاعترافات دليلا عليها، فنعم ما نحصّل ساعتها. هل تكون العبرة وقتئذ، عند التفكير، أعني عند التفكير، بمضمون المسيحية التي يعتنقها أوغستين من بعد وثنيته، أو هل تكون، في سياق آخر، بمضمون أي عقيدة أخرى، لدى  سرد الذات ذاتها، وتفحص النفس نفسها. كلاّ. وإنّ النظر والفكر لسابقان إلى القلب على كلّ إيمان. وإنما في عُري النفس، قبل إيمانها، ومن حيث هي نفس لا يسندها لحم ولا عظم، ولا تقوم على صعيد، ولا تستظل بأي سماء، دعانا التنزيل أن ننظر وأن نتأمل. إنّ لقيا الإيمان، لا تستمد عظمتها، لدى الشهود، من مضمون العقيدة ولا من تفاصيل الإيمان، وإنما من كونه، أعني الإيمان، ينفتح في قلب اللاإيمان. ولذلك كان الإيمان معجزة كل لحظة.
إنّ النّظر في الحدث الذي يرفعه الفكر إلى الاعتبار هو سردية النّفس التي ينبغي أن تكون مطلبنا لدى اعتبار كتب تونس الأساسية. ومن هذا الوجه المنهجي فإنه لا يعتدّ بالمضامين، وعلى كل فإن بابها لا يطرق للإجابة عن سؤالنا.
VIII

إذا كان المفكّر الحقيقي حقيقيا بما فكّر وبما كتب وبما قال، فإنّه أكثر حقيقية أعني أكثر جوهريّة بما جعله ممكنَ التفكير بعد ما فكّر وكتب وقال. ولذلك فإن موسوعات كاملةً للمعرفة وللتأريخ للفكر ولوجوهه اللافتة لابدّ أن تعاد كتابتها، إذ هي إذا ما رامت أن تخبر عن شأن المفكرين والعلماء والأدباء، لزمها أن تنشد إحصاء ممكنات هؤلاء لا إحصاء مدوناتهم وواقع ما بات تحصيل حاصل عندهم : فكأنما كلّ مفكر بما بات ممكنا بعده، أعني، من وجه آخر، بما بات غير ممكن بعده : فأمّا الممكن فهو ما سوّغه من المناهج التي لم تُطرق، والإجراءات التي لم تُعوَّد، وأما غيرُ الممكن فهو جملة ما لم يعد وجيها بعده من المناهج والإجراءات ومن الأسئلة ومواضع الأسئلة ومستوياتها، اللهم إلا على سبيل التكرار الذي لا خير فيه، والإعادة القاصدة إلى استظهار المعرفة لا إلى صنعها. وإن الأمر في الفكر ليجري هاهنا على عين ما يجري عليه في تاريخ العلوم.
ولئن كانت هذه المناهج والأسئلة الجديدة التي تسنُّ على سبيل الإمكان ضمن فكر ما، تتّصل بإحداثيات مختلفة، بعضها معرفي وبعضها فني وبعضها سياسي ...  فإن ما يهمّنا منها هو ما اتّصل بالمعاني الكيانية للإنسان، أعني حوامل فهمه لوجوده. ولذلك فإنّ قراءتنا للمفكّر المبدع هي قراءة لا تلهث وراء الترديد "بعبارة أخرى" لما قال ، وإنما هي تريد أن تكشف عن الضّمني الذي يفسّر ما قال، أي عن شروط إمكان قوله : إنّ تحرّي الممكن، ولو كان على جهة البحث عنه كشرط إمكان غير منطوق، هو موضع التّفكير عندي، وهو الجدير بالنظر والبحث لدى مقاربة كتاب أساسي. إن الصداقة الحقيقية مع فكر أساسيّ ليست أمانة لما يقول، وإنما هي أمانة لشروط إمكان ما يقول، اللاّمقولة.
سأنطلق من كتاب عبد الرّحمان بن خلدون: ولاشك أني لا أنشد هيّنا ميسورا. فهذا كتاب قد بلغ عند أهل تونس، وغير تونس، من التدارس والانتشار، ما لا يمكن لذي عقل أن يدّعي أنّه يقول فيه اليوم جديدا. وإنما صعوبتُه تلك. فعلى قدر تدارس الكتاب قد يكون دُروسه [oblitération] جرّاء البداهة التي تتناقلها الألسن والأقلام عنه، حتى إنّ حدوسه الأساسية لتضحي بداهات باهتة. كما أني لعلى تمام الوعي بأنّه يمكن أن يُعترض عليّ بأنّي لا أبدأ من حيث يجب الابتداء. فليس كتاب عبد الرّحمان بن خلدون أوّل ما كتب في تونس، وليست الكتب السّابقة عليه، في مضمارها الذي لها، أقلّ قيمة منه، ولا أخفت صيتا، ولا أقلّ مدى.  ومثل هذا الاعتراض مقبول، مادام يثير مشكلا منهجيا يتعلّق بالترتيب الذي من شأن التحليل أن يخلع عليه معنى.
ولكنّ كتاب ابن خلدون ذو وضع مخصوص ضمن كتب تونس الأساسية. ولولا أنّ المقام محدود بهذا الوطن وهذا التّراب وهذا التّاريخ، لقلنا إنّ وضعه المخصوص ليس ضمن كتب تونس الأساسية فحسب، وإنما هو ضمن كامل الفكر العربي الإسلامي أولا وضمن كامل الفكر الإنساني بعد ذلك. وإنما الأمور على ترتيب. ولعلنا نأتي لاحقا إلى توسيع الأفق.
وإنما ينظر عبد الرّحمان بن خلدون باتجاه السّابق الذي مضى، كما ينظر باتجاه اللاّحق المقبل، فيعطي مفتاحَه الذي يفكّ أوصاده، أعني أنّه يعطي صياغة سؤاله المفهومية [conceptuelle] ويضطلع بإمكانه لا على جهة الحدس والرؤيا [vision]، وإنما على جهة الفكرة المكتملة. لذلك فإني لدى قراءة مقدمة عبد الرحمان بن خلدون لا أقرأ كتابا ذا ترتيب، وإنما أقرأ كتابا تترتّب منه الكتب الأخرى: إنّ امتحان هذه الفكرة هو ما سيمثل عنصر المقاربة التي نقدم عليها، وفيها تتمثل وحدة الأسلوب، ووحدة الإيماءة اللّتان كنا أشرنا إليهما.
إنّ المشكل الحقيقي الذي يتصدى له ابن خلدون من بداية مقدّمته هو مشكل فقدان المعنى. ولا شكّ أنّه يمكن أن يُعترض علينا بأن مدخل المقدّمة مخصص بوضوح لمسألة الخبر التاريخي.ولنا على هذا المأخذ ردّان: أوّلهما تصحيح. فسياقُ هذا المدخل ينزّل العلاقة بالخبر التّاريخي ضمن غائية العبرة: "اعلم أنّ فنّ التاريخ فن عزيز المذهب جمُّ الفوائد شريفُ الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه...". وثانيا، ما هي العبرة ؟ وهل كلّما تمثّلنا وقائع ماض ما حصل لنا من تمثلنا ذاك إدراك معنى؟ إنّ تمثّل الوقائع ضمن حدث ماض ما، يعني إدراك بنيتها الدلالية من جهة ما هي عناصر محيلٌ  بعضها على بعض ضمن ترتيب من إنشائها، لأنّه ترتيب لا يسابقها إلى بنية يضعها لها من قبل بحيث يؤدّي تلاؤمها مع تلك البنية إلى شهادتها عليها. إن ترتّب الوقائع ضمن بنية ذاتية قد يفيدنا بمدلول، ولكنّه لا يستطيع أن يفيدنا بمعنى. ويقتضي الحديث عن المعنى، على العكس من ذلك، تمدّد الإحالة التي لكلّ عنصر من عناصر بنية ما إلى خارج تلك البنية. إن ذلك التمدّد هو الانتشار الزّماني الذي يسمح بالمعاودة على نحو غير تكراري، فكأنّما ترتسم لدى كل اطّلاع "على أحوال الماضين من الأمم" مضارعة لتلك الأحوال تعيد، بشكل ما، تولّد آنات تلك الأحوال بضرب من تشاكل (تآلف؟ تضامن؟) المصير، أي من تشاكل إيقاع الذهاب والإدبار، وذلك هو الذي نسميه درسا.
 IX
ما الذي يسمح بتمثّل ذلك التّشاكل [بين الأحداث] ؟ لا شكّ أنّ الذي يسمح به ليس أيّا من العناصر إذا ما أخذناها في ذاتية ملامحها، أي في تضاريس فرادتها المخصوصة. إنّ خروج عنصر "الأحوال الماضية" من فردانية صورته (l’individualité de sa forme) ذات المدلول، إلى كثرته النّموذجية هو الذي يسمح بتمثّل المعنى لدى الاطّلاع على "أحوال الماضي"، وهو الذي يسمح خاصّة بالانتقال من حديث يتمثّل الماضي إلى حديث يتمثّل التّاريخ بوصفه حدث المعنى .
إنّ التّاريخ بما هو كذلك ليس أيّا من ماض، وليس أيّا من حاضر ولا من مستقبل وإنّما هو عنصر (L’élément)  اللّقاء بالذّات، عنصر قراءتها وتأوّلها بما هو، في المعالجة الخلدونية، "محكُّ الخبر".
بأيّ معنى يمكننا إذن أن نقولَ إنّ منطلقَ ابن خلدون هو فقدانُ المعنى ؟
لاشكّ أنه يمكننا استعراض العبارات الدّالة على ذلك وهي كثيرة ومتكرّرة: فأخبار المؤرخين هي "الخرافات المستحيلة"، و"الحكايات" المقدوح فيها والمحالة، و"خرافات القُصاص"، و"ما لا يقبله العقل"، الخ. إنّ إشكالية الصّدق والكذب في الأخبار لا تتولد ضمن المقدمة كأي إشكالية صورية للمعرفة، وإنما هي إشكالية من كونها تتناقض مع فكرة التاريخ بوصفه موضع العبرة، ومنزل الدرس.  فكأنما كذبُ الخبر مُذهب للعبرة التاريخية. إنّ كذب الخبر مانع  لزمانية التاريخ المخصوصة من أن تطلع على الوعي وتعمر "قصديته" كتجربة تضارعٍ للأحداث ضمن ما يخبِره هذا الوعي معنى. إن كذِب الخبر معطّل للتاريخ أي معطِّل للمعنى التاريخي بما هو درس وعبرة.
لاشك أنّ مثل هذا الكلام يفترض معنى للتجربة التاريخية، وربما كان أوكدُ ما يعترِض عليه أنّ عبد الرحمن بن خلدون لا يصوغ قوله في التاريخ على جهة "التجربة التاريخية" وإنما على جهة القول في المعيار الذي تتميز به الأخبار. ولعله يمكننا أن نردّ على هذا الاعتبار في وقتين :
فأولا، لا يفرّق ابن خلدون في نقده لما يجري من مفهوم التاريخ بين مضمونه كذبا ومضمونه صدقا ("وهما أو صدقا" في عبارته)، ويعني ذلك أن هذا المفهوم الجاري ليس يشفع له ما قد يتخلله من الأخبار الصادقة التي تطرأ عليه طروءًا،، وهو ثانيا يسدّد نحو جذر الموقف الروحي  الذي يصدر عنه هذا المفهوم الجاري فيعينه "نقلا"، و"جلبا"، و"تقليدا" و"بلادة طبع"  أو "تبلد عقل" و"ذهولا"،  و"جهلا" و"اتّباعا" و"غفلة" الخ.
إنّ صدور الخبر، صادقا كان أو كاذبا، عن مثل هذا الموقف يمنع تمدّد الدّلالة الذي يتمكّن به الحدث التاريخي من أن يغادر فرديته الصورية ليلتحق بالمادّة[1] المشتركة أي الحية للتاريخ بما هي معنى، أي بما هي مخبور وعي معاصر للديمومة.
ليس من اليسير أن يفهم المرء عروض "أصول العادة" وقواعد السياسة" و"طبيعة العُمران" و"الاجتماع الإنساني"، ولو كان نظريا، داخل إشكالية تاريخية. وإنّ في الإصرار على القول بهذا الابتداع الخلدوني "العارض" للاجتماع داخل التاريخ، مهما كانت وجاهته، إصرارا على تقييد الفتح الخلدوني بعلم من العلوم، أي إصرارا على عدم رؤية ما في هذا الفتح من الدرس الأنطولوجي، أي من الدرس الشارط لكل فتح جديد ولكلّ كشف جديد بعودة متفكرة إلى الذات. فإنّ الوضع الذي نحن بصدده يقبل بكل بساطة ولكن بكل عمق كذلك أن يصاغ على جهة السؤال التالي : لماذا يؤدي النّظر في الخبر التاريخي، من حيث صدقة وكذبه، ولماذا يؤدي السرد التاريخي للخبر، ولماذا يؤدي الإخبار عن الماضي،  إلى استطراد في الإنسان ؟ وإن في تردد الباحثين في تخصيص الكشف الخلدوني ما بين علم اجتماع، وفلسفة تاريخ، وفلسفة اجتماعية، واجتماع نظري، لعزما على عدم البصر بأن ما يجري ضمن المقدمة ليس إلا استئنافا للتفلسف لا يكمل فلسفة سابقة (ولاسيما أفلاطون وأرسطو) بقدر ما يجذرها بفتحها على ما هو موضوعها الحقيقي : الإنسان. وإنّ أوكد مقوّمات هذا الاستئناف هو استدراجُ تأويل الكيان الإنساني على الأرض، أي هبوطه إليها وعمرانه إياها، تاريخا، وتَمَثُّلُ "حقيقة التاريخ" خبرا عن الماضي بقدر ما هو  إمكان حدوث (أي بقدر ما هو صدور مطابق لطبائع الأشياء) . وإذا كان ثمة من حداثة لابن خلدون فإنما هاهنا تكون.

X
لعلّ أظهر ما يبدو هذا الاستئناف الخلدوني هو في توجّهه إلى مستوى من النظر في مسلمات العلوم وافتراضاتها يعسر معه ترتيب النظر الذي يفتتحه، كواحد من العلوم، وإلى جانبها. إنّ ما ندافع عنه هاهنا هو أن ابن خلدون إنما بسط في المقدمة نظرا أساسيا تأسيسيا ولم ينتخب لنظره موضوعا من الموضوعات المتاحة.
يقول ابن خلدون : "وهذا الفنّ الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من جنس مسائله بالموضوع والطلب" إن خاصّة هذا الفنّ إذن أنه فنٌّ مسائله في غيره من العلوم والفنون عارضة ضمن براهين تلك العلوم. ولكنها بالموضوع وبالطّلب (thématiquement) مسائلُه، بل عين مسائله. ما عسى أن يكون هذا العلم الذي موضوعه لامبرهنات العلوم الأخرى ؟ أليست هذه اللامبرهنات هي مسلمات تلك العلوم وافتراضاتها ؟ وما عسى أن يكون هذا العلم الذي موضوعه التقاطع الصامت للعلوم الأخرى ؟ إنّ ابن خلدون على تمام الوعي بأن ما يقدم عليه علم جديد مجدّد، وهو يؤكد في أكثر من مناسبة أن الذي أعثره عليه إلهام إلهي "من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان".
إنّ اتخاذ صوامت العلوم غرضا ورفعها إلى مستوى القول الصريح "بالموضوع والطلب" هو الشأن الفلسفي الحقيقي. ولكنّ الموضوع المؤتلف من مثل هذا النّظر هو أحوال العمران البشري من جهة ما تمثل حقيقة التاريخ. فإن الإخبار عن الماضي لا يعطي معنى الوجود الإنساني على الأرض إلا متى ائتلفت الأخبار ضمن خثارة (concrétion) المن الذي هو أنا، تذكيرا لي في كل لحظة بأني "إنسان".  إنّ فقدان المعنى الذي يوقع الإنسانَ فيه زيفُ التّاريخ لا يرفعُ هذا الزيف بتصحيح الأخبار إلا متى كان هذا التَّصحيح أوَّلاً فهما من الإنسان لأحواله. فالتصحيح ليس رواية أخرى للخبر التاريخي، وإنما هو في كلّ لحظة وفي كلّ معاودة مقارعةٌ للخبر على محكّ ضرب من "الحس السليم" أو من "الولوج المباشر إلى النّفس" [un accès à soi]. لا بدّ أن ندرك ما في إعادة قصّ الذّات خبرها على ذاتها من موارد التّعقل، ومن إمكانات المحاسبة التي تصوغ من ذلك صورة للنّفس لا تحيل على الماضي فقط [أي لا تجيب فقط عن سوال : ماذا كنت ؟ أو كيف كنت ؟] بل تلامس من بعض الوجوه سؤالا آخر لعلّنا نصوغه في مقاربة أولى صياغة أوليةً جدا : ماذا ينبغي أن أكون كنتُ ؟ ما هو مرجع هذا السّؤال ؟ هل هو الماضي الذي يحبسنا ضمن حدود تمحيص الخبر ؟ هل هو المستقبل الذي يجدد بناء الخبر ويجدد قصّه على النّفس حتى تبني منه هذه الأخيرة هوية أخرى ؟       
 فكأنما ينجز ابن خلدون بمقدمته ردّا (réduction) فينومينولوجيا أصيلا  يعتزل  (mise hors circuit, mise entre parenthèses) ضمنه  الخبر التاريخي صادقا كان أو كاذبا (وهذا شأن الإيماءة الفينومينولوجية [le geste phénoménologique]  الأصلية) ليحيل على التاريخ الأصلاني : فإذا التاريخ الأصلاني هو العمران البشري والاجتماع الإنساني، من جهة كونه خلعا لمعنى الزمان، أي لوحدته، على الماضي والحاضر. ليست عبرة التاريخ إذن إدراكا لحيلة نداور بها الأحداث، أو نعالج بها الحاضر، وإنما هي أن "نرسَل" في كلّ مرّة للنظر في أنفسنا. فكثيرا ما قُصرت العبرةُ على معنى الدّرس الحاصل صوريا من كثرة الآحاد، أو على معنى الوحدة الحاصلة من التكرر والتواتر ومن تساتل الأحداث على مآل واحد : وإن هذا لهو أدنى معاني العبرة، ولو تعمقنا فيه بعض التعمق لألفينا فيه مجرد رسم من رسوم العلاقة التي يزينها الخيال بين تتابع الأحداث. ليس التاريخ درسا لأنه مسرح تشابه الأحداث، بل هو كذلك لأنه موضع فرادتها الناطقة التي تحمل النفس في كلّ مرة على إعادة صياغة هويتها بتأويل نفسها وإعادة تأويل نفسها. لذلك ليس كمقدّمة ابن خلدون تأويلية  للنفس.
وإذا كان ابن خلدون قد كتب كتاب تونس الأساسي وحدد جوهر علاقتها بالزمان وبالتاريخ على أنه العبرة،  فلأنّ الأصلاني الأصلاني  ضمن هذه الإيماءة، هو تحديد الموْجد الإنساني فهما للتاريخ. إنّ ما بات ممكنا بعد ابن خلدون هو إدراك أصلانية التاريخ بما هي أصلانية معنى الإنسان.
ومع ذلك فإن هذه الدراسة لا يمكنها أن تكتمل دون مناقشة أصلانية التاريخ من حيث  النماذج المتاحة لها، وتحديد أنموذج هذه الأصلانية عند ابن خلدون.
XI
لعلّه قد تبين لنا الآن، بعض تبيّن على الأقلّ، ما لمفهوم العبرة من المركزية في المقاربة التي نحاول والتي نُشهد عليها مقدّمة ابن خلدون محصّلة لكل تفكير في ما هي تونس. فما تكون العبرة ؟ وما الذي تختلف به عن ابتذال المعنى الخلقي الذي نفيده من دروس الماضي ؟ إنّ المقلق في هذا المعنى الخلقي ليس  خلقيته، على سطحيتها، وإنما هو إخلاف مرجعيتها الأصلية : فما مرجع خلقية العبرة ؟ ومن لنا بمعنى غير خلقي منها ؟
      ثـمّة في المعنى المتداول والمطروح من العبرة شيءٌ من "خارجية" [extériorité] الاعتبار ومن البرودة الملازمة له التي تجعل النّظر إلى الأحداث "المعتبرة" واستجماع ما تؤدّي إليه من "العبرة" بعضا من عمل "الجمع والطرح" الذي يستبعد معنى الكيان ويطرح جانبا، باسم مقتضى الحياد المعرفي، كلّ عناصر الذاتية التي إنما يدور عليها الأمر أوّلا وآخرا. ولعلّ سياق تمحيص الخبر الذي تنتمي له، على نحو غير ضمني، بداية المقدّمة يعضد هذا المذهب ويزيّن الاطمئنان إليه.
      ولكننا لا نتذكّر دائما أنّ سياق تمحيص الخبر، إذا كان سياق البداية، فإنّه كذلك سياقُ كلّ ما يلحق من المقدّمة : هكذا تتعاقب أبواب المقدّمة وفصولها ضمن سياق تحقيق "الخبر عن الاجتماع الإنساني" بسبب تطرّق الكذب إليه، فتجتمع كلُّها على "طبيعة العمران البشري" أي على كامل الأبواب الستة المؤلفة للمقدمة. إنّ أول ما وضعت الإنسانية من كتب "الطبائع"، طبائع الإنسانية، والذهن الإنساني، والسياسة ...  لهو بحق كتاب عبد الرحمان بن خلدون، وإذا كانت حداثة الفكر إنما تقاس بعودتها على الإنسان، على جهة امتحان قدراته، وتصنيف طبائعه ضمن كلّ الانثروبولوجيات الفلسفية المعروفة، فإنّ حداثة ابن خلدون تكون بذلك غنية عن كلّ تنويه.
      هكذا يحملني التّفكير في معايير تحقيق الخبر التّاريخي، هكذا يحملني امتحان الذّاكرة،   إلى التّساؤل عن نفسي أي عن كلّ إحداثيات الذّاكرة: ما معنى أنّني ذاكرة؟ ذلك هو سؤال المقدّمة الذي يسبق سؤالها، وجوابه أنّ الذاكرة عبرة. فليست العبرة لذلك استقراء لكثرة الأحداث ولتعاقبها ولسببيتها المخصوصة، إلا لأنها قبل ذلك، إلا لأنها جوهريا، تأمل في طبيعة الحامل الذي "تحدث له" هذه الأحداث، بل هي، قبل ذلك تأمّل في طبيعة "الحدوث" الذي هو مرجع كلّ خبر، أعني العمران : لابدّ أن ندرك ما في لفظة العمران من فاعلية، بل من فعالية الإحداث وإخراج الأثر : إنّ العمران هو فعل التعمير والعمارة والإعمار والاستعمار، هو هذا الفعل مصرفا في جميع أزمنة الفعل.
      ثمة إذاً حدثيةٌ أساسيةٌ ليست رواية للأحداث : وإني أريد أن أجد فيها مقوّم العبرة الأساسي : النسيان. فما بين كتاب "العبر[ة]" وكتاب "مولد النسيان" تنتشر فكرة تونس التي لا يريد أن يراها السياسيون لأنها تحول عملهم جفاء، ولا يريد أن يراها أصحاب صناعة الأدب والتاريخ والفكر لأنهم  لا يرون إلا الوجدان.            



[1] يستعمل ابن خلدون العبارة في حرفها حين يقول ناقدا أسلوب الكتابة "التقليدية" للتاريخ : "فيجلبون الأخبار عن الدول وحكايات الوقائع في العصور الأول، صورا قد تجردت عن موادها