مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

lundi 22 mars 2021

 الفيلسوف والضَّيْم:

إنّ علاقتنا بالحق تمر عبر الآخرين . فإمّا أننا معهم نذهب إلى الحقّ، وإما أننا لسنا إلى الحق بذاهبين. ولكن غاية الصعوبة أنّ الحق لئن لم يكن موجودا، فإنّ الآخرين، بدورهم، ليسوا بآلهة. ليس ثمة من حقيقة بدونهم، ولكنه لا يكفي / أن نكون معهم حتى نبلغ إلى الحق. فإن برغسون، أيام كان يطالَب مطالبة ملحّةً بان يعرض أخيرا أخلاقه ، كتب جملة قصيرة تبين ذلك أيما تبيين : "ليس محتوما أبدا على المرء أن يكتب كتابا". لا يمكن أن ننتظر من الفيلسوف أن يذهب إلى أبعد مما يراه هو، أو أن يعطي من التعليم ما ليس على يقين منه. فتلهّف الأنفس هاهنا ليس حجة، ولا يمكن أن نخدم الأنفس بالتقريبي والدّجل. الفيلسوفُ، والفيلسوف وحده إذن هو الحكَم. هانحن قد عدنا إلى الذات والى خلوة الذات بالحق. وكنا نقول إنه لا توجد حقيقة متوحدة . فهل نحن لدى الدور؟ بلى! ولكنه ليس دور الريبيين. صحيح أنه لا يوحد حكم نهائي وأنني لا أفكر بحسب الحق فقط، ولا بحسب نفسي فقط ولا بحسب الغير فقط، لأن كلا من هذه الثلاثة محتاج إلى الاثنين الآخرين، ولا معنى للتفريط فيهما لأجله. فعلى هذه الجهات الثلاث لا تنفك تقوم حياةٌ فلسفية. إن لغز الفلسفة (ولغز التعبير ) هو أن الحياة تكون أحيانا هي هي أمام الذات وأمام الغير وأمام الحق. وتلك الأحيان هي التي تبرر الفلسفة، وهي التي يعتمدها الفيلسوف دون غيرها. فلن يرتضي الفيلسوف لنفسه أبدا أي توق إلى ان يكون ضد البشر ولا أن يكون البشرُ ضدّه أو ضدّ الحق، ولا الحقُّ / ضدّهم. يريد أن يكون في الآن نفسه في كل مكان، ولو كلفه ذلك أن لا يكون بحق في أي مكان. معارضته ليست عدوانية: فهو يعلم أن العدوانية في الغالب مقدّمة للاستسلام. ولكنه أعلمُ بحقوق الآخرين والخارج، من أين يَسمح لهم بأي تعدّ؛ فإذا ما انخرط ضمن عمل خارجي أُريدَ به أن يذهب إلى أبعد من النقطة التي يفقد عندها ذلك العمل المعنى الذي حبّذه لديه، اطمأن إلى رفضه اطمئنانا ، لا سيما وأن أسباب الرفض عنده هي عين أسباب الإقبال : من هنا ما يحيرنا فيه من اللِّين الحَرون، والإقبال المهموم، والحضور الذي يدق عن أن يُـحَسَّ به : مثلما يقوله برغسون عن رافيسون (Ravaisson) بنبرةٍ جعَل فيها من شخصه ما نتخيل معه هاهنا ضربا من مُراجعة النفس. قال: "هو لا يمكنك من نفسه ... لقد كان من أولئك الذين قلَّت مقاومتهم، فلا يمكنك حتى أن تتباهى بأنك قد حملتهم على الرضوخ مرة واحدة"...
موريس مرلو بونتي:
تقريظ الحكمة (1953) ترجمة محمد أبو هاشم محجوب، دار أمية، تونس (1995).

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire