مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

mardi 25 mars 2014



                                                         22 مارس 2014

"رأيت المنايا خبط عشواء ..."
تأويلية الفقد و العذاب

                                                                     محمد محجوب
                                                                     جامعة تونس

          إلى سنان العزابي

ما هو الموتُ إذن ؟ هو الشّيءُ الوحيد الذي لا فاعل له ولا موضوع. هو من بعض الوجوه شبيه بالزّمان الذي كان أوغستين يقول عنه : "ألا ما الزّمان إذن ؟ لئن أنا لم يسألنيه أحد فقد عرفته، فإذا سُئلت أن أفسّرَه صرتُ لا أعرفه". الموت هو الشّيء الوحيد الذي إذا ما حضرَنا وأردنا وصفَه والإجابةَ عن السؤال المتعلق به، "فاتنا" وصفُه، وإذا ما وصفناه لم يكن وصفُنا وصف حاضر إلينا.  ما معنى أنّ كائنا ما يموت ؟ أنّه يفقد الحياة مثلا ؟ ولكن هل يموت الذي يموت ؟ هل هو نفسه الذي يموت ؟ ما الذي فيه يظلُّ هو نفسَه ؟ أليس الموت تحديدا هو عبارة انقطاع "الأنا- نفسي" الذي يجري من تحت "الأنا – أحيا" ؟ لست أنا نفسي الذي أموت / الذي يموت ؟ وليس ذلك لأنّ الذي يموت هو غيري، ولكن لأنّ الذي يموت إنما يغادر الأنا – نفسي.     ولكنّ "الأنا – نفسي" الذي يَفقِد، ليس هو، أعني أنه لم يعد ذلك "الأنا – نفسي"  [ce moi-même] الذي  يظلّ هو هو قبل الفقد وبعد الفقد : لا يتعلّق الأمر إذن بتعيين الساعة التي عندها يكون "الأنا – نفسي"  الذي يفقد هو عين "الأنا – نفسي"  الذي يحيا، أو الذي على قيد الحياة.
أن نموت إذن هو أن يحدث لنا ما لا نستطيع أن نجرّبه، أي ما لا نستطيع أن نتفكّر تجربته: الذي يموت ليس هو إذن الهوية التي يحدث لها الموت. ولكن لا. فربما كانت تلك الهوية هي وحدها التي يصيبها الموت، أعني تلك الذات التي ارتفعت إلى صيغتها الكلية بما هي الإنسان الفاني. أما النفس التي تشغل حيز الخصوصية الفردية / singularité/  فهذه حالها تحديدا كحال الوعي مع أبعاد الزمان التي يصفها أوغستين، معاصِرةٌ لها، حاضرةٌ معها، حضورا إلى ماضيها، وحضورا إلى مستقبلها وحضورا إلى حاضرها. ولذلك فهذه لا تموت لأن سرد الموت عندها، وهو السرد الذي به الاستحضار، لا يمكن أن يكون بعد الموت: بل هو فقط سرد للموت من قبل أن يكون، إنه سرد لحدث موت الآخر أمامي.
 فلا تكون تجربة حدث الموت إذن ممكنة، أعني قابلة للتمثل، إلا بما هي تجربة موت الآخر التي نفترض أنها شبيهة بموتي الممكن: أي بموتي الذي ليس بعد، أي بموتي الذي أتصوره على قيد الحياة، الذي أتصوره حيًّا. هو إذن قطعة من الحياة التي تتسرب إليها – على نحو تعاطفي[en mode de sympathie] -  صورةُ موت الآخر: كلّ شيء في هذه التّجربة يجري إذن على نحو ما كان وصف برغسون في كتاب المعطيات : عندما أراد أن يقرّب لما يرافق مشهد عذاب الآخر من الشفقة / الإشفاق : ثمة في مزيد صيغة هذا الثلاثي المجرد "ش فِ ق"، وتعديته إلى "أشفق" ضرب من تسريب كرب الآخر إلى أنفسنا، ليس إحساسا به فقط، وإنما إشفاقا منه، وخوفا ورهبة. لا يمكننا أن ننكر أنّ في الشّفقة، في ما يقول برغسون، أولاً، ضربا من الرّهبة المتنبئة، بأنّ "مثل" ذلك قد، بل سـوف  يحدُث لي، وثانيا، أنّ فيها ضربا من الرّغبة، أو – لنقلْ – من عدم الممانعة في أن ينتقل إليّ هذا العذاب، بل ربما في أن أنتقل إليه، أن أتسرّب إليه، تعاطفا، أي شعورا بالمماثل. ثمة إذن الخوف، الرعب، الارتعاد، الخشية، من أن يحُلّ بي ذلك، وثمة أيضا ضرب من الرغبة الصامتة في التواضع، في الانكسار : وهو ما يردني إلى هشاشة وضعي الشبيه، من جهة، ولكنه من جهة أخرى، يرفعني في نفس الآن أمام نفسي.
إنّ تمثل عذاب الآخر، موت الآخر، لا يعين إحداثيته في العذاب أو الموت، بقدر ما يعينها في أثرهما في أنفسنا. فكأنما نحن نعين أنفسنا غاية لشهادتنا على عذابه أو على موته :
-      في مستوى أول هو مستوى تجربة الخوف : ولن تجد عبارة عليها أوضح من رهبة قيباس وسيمياس في محاورة الفيدون لأفلاطون : الخوف من أن تتبدّد النّفس بعد موت صاحبها فلا تكون إلا دخانا. فكأنما تجربة الموت هاهنا ليست إلا مشهد الحياة المتفرجة على الحياة المتبددة : سأقول في عبارة لا شك أنها شديدة التلخيص : موتي هو في أقصى خبرتي، قطعة من هذي الحياة، بددتها من كل موقف من مواقف ما بعد الحياة، لأني نذرتها لأن تكون لوحة تمثلي لموتي الشبيه.
-      في مستوى ثان هو مستوى العودة إلى النّفس : اعتبارا لهشاشتها، ولكن كذلك تنصّلا من كلّ تواطؤ مع مادية موت الآخر : إنه بشكل عام موقف الرجاء.

عن الموقف الأول كان حدثنا أبيقور في الرسالة إلى مينيسي : "إن هذا الشر المخيف، أعني الموت، هو عندنا لا شيء، مادمنا عندما نكون لا يكون الموت، وعندما يكون الموت، لا نكون نحن... فالفيلسوف لا يخشى اللاكيان، إذ شتان بين اللاكيان والكيان، ثم لا ضرر في اللاكيان".
وأما عن الموقف الثاني فلعله الموقف الوحيد الذي يسمح لنا بأن نجيب عن سؤال الموت ما هو ؟ فالحياة الأخرى هي الموضع الوحيد الذي يمكن أن يتيح لنا أن نستكمل الجواب عن هذا السؤال. ولكن هذا الجواب، ويقين هذا الجواب، هو فقط بيد الموتى. وإنما على هذا النّحو يقيمون بيننا : إقامة من يمسك بالمفتاح، ولو لم يكن ثمة مفتاح أصلا، ومهما كان الجواب.
لذلك فنحن نضيّع في كل مرّة ظاهرة الموت :
   Nous ratons, à chaque fois, le phénomène, c’est-à-dire le sens  de la mort  
نضيعه لأنّنا نهرب منه إلى العبرة، أو إلى المعادلة الكيميائية، أو إلى استدامة الحياة من خلال الحداد. وإنما أوّل استتباعات الحداد مغادرة الموت والميت، أعني تركه لمعاناة وحدة الموت وحده، وجمعَ الأحياء وحشاتهم من بعده لإقامة ضرب من الأنس يسمونه السلوان، أوالعزاء، ويعيشونه كنسيان يقيم فيه الميت كذكرى في البداية وينتهي فكرة، مجرّد فكرة.
لذلك لن أغادرك اليوم يا سنان رغم أن الجماعة سيغادرون : ليس بي من رغبة في مغادرة الحزن، رغم أن مراكب مغادرة الحزن كثيرة :
هل تذكر يا صديقي كيف أقام في وحدة الحزن أبو الطيب لما
 "طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب"
هل تذكر كيف انسحب أبو الطيب من لحم الدنيا وعظمها ليقيم فيها حزنا  لا يشاغله شاغل ؟
"وإني لمن قوم كأن نفوسهم ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما"
تُشاغلنا عنك سرعة العبرة: عبرة الرّفيق الرمز، وعبرة البطل الكريم، وعبرة الأنموذج والقدوة، ...
تُشاغلنا عنك حبكة الرواية : سردية الحياة التي يجد فيها كل واحد منا مكانا أو منعطفا أو محطة أو مجلسا وحتى محبسا، وحتى صحراء : أتذكر يا سنان ليلة  أوقفت طابور السيارات بأسره في إحدى منعطفات باردو وهرعت إلي من سيارة الأجرة وهرعتُ إليك من سيارتي : ليلتها أكلتنا المنبهات تتعالى علينا أصواتها لأنها لم تكن تسمعنا ...
تُشاغلنا عنك مرارة العجز أمام الابن /أو الصديق أو القريب/ الذي لم نستطع له حيلة
ولكنّنا في كلّ ذلك إنما نقصد أنفسنا :
فمتى نقصدك أنت ؟ وكيف لنا أن نقيم في موتك وأنت نفسُك لا تحدثنا عن موتك ؟ 
 فما هي وحدة الموت إذن ؟
هاهنا سأقترح التّسير على طريق أخرى : إنّ الإمكانيتين الوحيدتين التين يمكنا أن نسرُد بهما موتنا هما إما سرده كحتمية مرسمة ضمن كوننا إنسانا، وهذه إمكانية "خشبية" إن صحّ التعبير، وإما ضرب من ترسمه من خلال تجربة العذاب التي تسبقه باعتبارها تجربة مؤدية إليه، وضربا من التشكّل المسبّق له : ربما ثمة ضرب من سرد الموت من خلال تشوّفه. فكأنما وصف العذاب، وتفصيل الألم من خلال نقل الإحساس به إلى الآخر، هو نوع من نقل الإحساس بموتنا الخاص إلى الآخر.
ثمة إذن نوع من التواصلّية الاستباقية للموت من خلال تواصلية العذاب.
هل تواصلية العذاب ممكنة ؟ وأوّلاً لا بدّ لنا أن نتّفق في الكلمات. فلقد كان بول ريكور ميّز في نصّ قصير من نصوصه سنة 1992، بين الألم [la douleur] وبين ما تسمّيه الفرنسية : La souffrance  ونهمّ بترجمته إلى العذاب. وهذه الترجمة في حاجة الى نقاش ليس هذا وقته.
ولكن الذي يهمنا هاهنا هو مدى قابلية عذابي أن ينقل إلى غيري.
فأولا : تجربة العذاب ليست تجربة تفكرية، بل هي تجربة تهتز فيها قصدية الوعي نفسها، أعني بنية الوعي كمتمثل للعالم وللآخر : في تجربة العذاب هناك نوع من "فراغ العالم"، بل ربما من "إقفار العالم". ريكور يتحدث عن "انحسار العالم كأفق تمثل" :
 Le monde apparaît non plus comme habitable mais comme dépeuplé.  
لا  بد أن نحسّ بمقدار الفاجعة هاهنا : فعلى قدر ما نسعى نحن أعني الأحياء الآخرين - إلى إعمار العالم بخلق جميع أشكال "الأنس" الممكنة، بما في ذلك أنس المراسم والمآتم، وأنس العبرة وأخذ العبرة، وأنس الإعلاء [la sublimation] بجميع أشكاله بما في ذلك أشكاله النضالية الرفيعة بل الرفيعة جدا، على قدر كل ذلك، ومطاولا له،  يقفر العالم من ساكنيه لدى تجربة العذاب / المعاناة التي هي تجربة المائت [le mourant] : ما يجري لدى المعذَّب أو لدى المتعذِّب  هو ضرب من القطيعة مع العالم حاملُها الأساسي هو أن المعذَّب أو المتعذِّب "وحيد" في معنيين من الوحدة.
-      وحدة الاستثنائي [solitude de l’exceptionnel]، وأعني أولاً وحدة ما لا يمكن إدراكه، ولا حتى التّعاطف معه، من خلال تشبيهه بغيره، أو من خلال مماثلتِه بأنموذج أو مقاس آخر : العذاب مثل الموت هو دائما عذاب وحيد، وأمام مشهد العذاب، فضلا عن مشهد الموت، لا يمكنك أن تقول: أعرف. نحن هنا أمام مشهد لا نتجرأ عليه، ولا نتجرّأ أن نجد إليه سببا.
-      ولكني أعني ثانيا وحدة الذي لا يملك لغة يشترك من خلالها مع الآخر. تجربة الموت، من جهة كونها تجربة الألم الأقصى، لا يمكن نقلها لا على جهة الكلمة المطابقة ولا على جهة التمثل القادر على استحداث استجابة النجدة  [c’est la solitude tout court] : لا حول للآخر أمامي، لا هو يسمعني، ولا هو يجيبني : تجربة العذاب لا تقبل أن تصاغ ضمن قوانين ماهو قابل للتواصل :
 L’autre ne peut ni me comprendre, ni m’aider : entre lui et moi, la barrière est infranchissable : solitude du souffrir 
ولكنّ تجربة العذاب   لدى النهاية وفوق كل ما قلنا عن وحدتها، وعدم قابلية نقلها والعبارة عنها،  هي تجربة اللاجواب، وهي إذا تجربة الإحراج الأقصى للسؤال : لماذا أنا ؟ لماذا أفردتُ بهذا العذاب ؟ لماذا "أُفرَدُ" بهذا الحتف ؟  طبعا هناك أنساق عديدة من الجواب من شأنها أن تسكت هذا السؤال. ولكنني لا أريد من طرحها أن أجيب.
فأوّلا : هذه أسئلة لا تعبر إلا عن شيء واحد، هو أن الموت أو العذاب هما خطبان لا يلحقان إلا النفس، أعني الشعور بالنفس، في فردية هذا الشعور، وفي عدم قابلية تبادله، وفي وحدته الحميمية، ولذلك فإنّ الارتفاع إلى كونية الموت التي تعبر عنها الصيغة الكلية [Tous les hommes sont mortels]، ليست إلا تلفتا عن فردية هذه التّجربة وإغراقا لها ضمن الصورية المفرغة لكل معرفة، هدفها ليس الشعور بموت الآخر، وإنما أخذ العبرة منه.
ولذلك أيضا فإن البحث عن المعنى من خلال سؤال : لماذا أنا ؟ هو بحث من صميم شأن الاضطلاع التفكّري [prise en charge réflexive  يعبر عن مفارقة حادّة يثيرها بول ريكور في نصّه المذكور : إن وحدة العذاب هي الجحيم الشخصي للنفس الذي لا يمكن صوغه في أي عبارة ناقلة. وعين تلك الوحدة هي وحدة الموت، أو وحدة المائت الذاهب إلى الموت.  ولكنها من جهة أخرى ضرب من المناداة التي تخاطب الآخَر وكأنما هو آخِر الرجاء الممكن، وكأنما هي العبارة الأخيرة عن عدم اليأس من الآخر: هل من معين ؟ قد تخاطب الطبيب، قد تخاطب الممرضة، قد تخاطب القريب، قد تنتظر منه ضربا من التضامن المستحيل لعلّه هو تضامن الاشتراك في العذاب، ولكنّها على كلّ حال  مناداة لا طائل من ورائها : إنها مناداة تطلب في الأخير أقل ما يمكن أن يطلب من التضامن : الاشتراك في الشّعور باللاّمعنى. هل كانت إجابة زهير على قدر هذه المناداة ؟
رَأَيْتُ  المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ  تُصِبْ           تُـمِتْهُ  وَمَنْ  تُـخْطِىءْ  يُعَمَّرْ  فَيَهْرَمِ
أمام لا معنى هذا الإفراد بالموت، أو بالعذاب، وهو الإفراد الذي لن تجد له حلا ولا جوابا، ثمة  إقرار جوهري نقرأه في حرية القارئ ضمن قرآن يلخص الأمر في جملة لا نريدها أن تكون بداهة البداهات مثلما تُقرأ كل يوم -  وإنما إقرارا بأن الموت هو شأن يخص "الأنا نفسي" [le soi-même] في كل مرة رغم كونه صورة الإنسانية بإطلاق : "كلّ نفس ذائقة الموت".
أما أنت يا سنان، فلا شك أنك اليوم قد صرت تعرف، وأنك من عليائك تبتسم تفهّما لحيرتنا. 
 

                                                           محمد محجوب  

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire