مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

dimanche 18 septembre 2011

المقال الثالث [18/ 9/ 2011] : ما هي تونس ؟ 4 - 6


علــى غيــر أوان                                                                                  


محمّد أبو هاشم محجوب


 تنبيه : 
 صدر هذاالنصّ [ على غير أوان : ما هي تونس ؟في صائفة سنة 2009 ضمن إحدى الصّحف السيارة، وفُعل به ما فعل حتى انقطع.
ولكنّ أحدا لم يتفطّن آنذاك إلى ما يحمله هذا النّص الفكري من نقد ذاتي لما انخرطت فيه الجوقة العامّة، دون تفصيل، من الاستعاضة عن التّفكير بالترديد، وإلى ما يحمله من الاستباق إلى طرح سؤال لا أعتقده إلا ملاقيا بعض جوابه في صرخة 14 جانفي 2011.
 لذلك أنشرُه اليوم إنصافا له. وأنشره ليُقرأ، بعد أن مرّ- في جلبة الجوق - من وراء الآذان. إنّ شأن الفكر الجوهري أنه لا يُسمع إلا على غير أوان.

ما هي تونس ؟

-IV-

هل يحقّ لنا أن نتحدّث عن استتيقا الفكرة ؟ وما الذي يمكن أن نغنم من هذا المفهوم أو من هذا المعرَف [notion] لدى تفكّر يروم الإجابة عن سؤال : ما هي تونس؟ 
لقد تعوّدنا إمّا رفع الإحساس الجمالي  إلى الفكرة على جهة كونها معناه، وإعداد أمتن البنى التّأويلية والنّظرية لاستجماع الحسّي الجمالي ضمن تمثيل الفكرة، أو فصل الجماليّ عن الفكرة والقول بضرب من انعتاق الإحساس الجمالي عن المعنى. فكيف يمكننا أن نتحدّث الآن عن استتيقا الفكرة ؟ أتُرى ارتفع عن وعينا أنّ الفكرةَ هي إمّا مصيرُ الإحساس الجمالي، وغايتُه القصوى، فقلبنا العلاقة وجعلنا من الجمال مصير الفكرة، أو هي غريبةٌ عن الإحساس الجمالي الذي يتبلور في استقلال عنها ؟ ما الذي نعنيه إذاً بحديثنا عن استتيقا الفكرة ؟  وما الذي يمكن أن نفيده من المرور بالاستتيقا ؟ وهل يمكن أن يكون جوابنا عن هذا السؤال الرصين، جوابا في خفّة الاستتيقا ؟ 
لا شكّ أنّ المرجعية النّيتشوية التي كنّا ذكّرنا بها تعطي بعض معنى لهذه الاستتيقا من خلال الإحالة على مفهوم الشخصية مبدأ لكلّ إبداع. ولكنّنا لا نحمل ذلك على معنى صدور كل عمل إنساني، ولو كان عملا نظريا، عن أصل شخصي نفسي، فهذا أمر بديهي لا طرافة فيه، فضلا عن كونه إنما يعتمد رسما يفترض المحاكاة مبدأ لتفسير العلاقة بين الحياة والأثر، وأنّ هذا ليس غير نسخة من تلك، يتلوّن بلونها،  ويستمدّ منها حقيقته ومداه. وإنما نصدر عن موقف يريد أن يرى في ابن خلدون، مثلا،  أو في أوغستين أو في الشابي، . . .  في كلّ واحد منهم، عبقرية من عباقرة الإنسانية، لا يُقعده انتماؤُه إلى هذه الأرض عن الانتماء إلى الإنسانية، ولايحبسه انتماؤه إلى هذه الأرض عن أن يتّخذ مرجعه وإحالته، الإنسانية جمعاء. فلنكرّر، مهما أحرجَنا التّكرار، أنّ سؤال ما هي تونس، هو بعدُ، وهو ما يزال سؤالا لم نحبّر جوابه، ردّ فلسفي لا يتستّر على حسبه ونسبه، مهما تهامست الوسوسات على الفلسفة بأنّه قد حان وقت دحرجتها، ردّ فلسفيّ على كلّ رؤيةٍ تستحي أن تُطاول المطلق،  وتريد أن تتمسّك بالخبر والمجاز، عوضا من المفهوم والقول العقلي. ولنكرّر كذلك أنّ تونس رسالةٌ إلى النّفس وإلى العالم: إنّ كلّ أثر من آثارها الفكرية والرّوحية، الأدبية والإبداعية، هو اضطلاع بالنّفس على جهة الاعتبار والمراجعة، يستحضر الأنا، في كلّ أبعاد الأنا، محاورةً وإنصاتًا، مراجعةً وتدبُّرا، محاكمةً وتقويما، وهو رسمٌ لجواب إشكاليتها لا كحلّ من حلول الأزمة الذّاتية، لا كحيلة من حيل المداورة الباحثة عن "كلّ آلة"، كما كان أنشد أبو الفتح الاسكندري، بل كمطاولة لأفق الكلّية والكونية والإنسانية الذي تفتحه تلك المراجعة ويتيحه ذلك التدبّر. وإنما بذلك ينعقد الجواب عن "أحوال النفس" [أزمة كانت تلك الأحوال، أو خبرا، أو أغاني، أو اعترافات، . . . ] تنزيلا لها، أي تعيينا لمنزلتها في العالم، من دون أن نعني بذلك التنزيل تعيينا للمراتب على مضمار سباق الأمم المحموم نحو أهدافها، وإنما هو تعيين للدّرس الذي تقدّمه النّفس، وللرسالة التي تبعثها إلى العالم. إنّ كل ّ رسالة حقيقة، وأصيلة، هي تعيين للمقام، خارج منطق المراتب : ومنطق المقام هنا لا يُصاغ ضمن مقولات العدد، وهو على كلّ حال لا يكتفي بها، بل يؤثر مقولات الإيثيقا. وإننا لنرى اليوم من الأمم من يجهد لاسترجاع مقام حرّية ضيّعه عليه العدد، واستبداد العدد. بل المقام الذي نقصد هو مقام الاحترام، وهو مقام التّحديد التّاريخي الذي يوجّه الإنسانية، وهو مقام الحرية، ومقام الفكر، ومقام الأدب، ومقام الفن.       
 فلنجرّب أن نقرأ على هذا الأساس كتب تونس الأساسية، أعني تلك الكتب التي أنهجت لغيرها أن تكون كتبا : لقد انطلقنا من استتيقا الفكرة وكأنما افترضنا أنّها ضرب من جمالية المفهوم، فانتهينا إلى ضرب من إيثيقة المفهوم التي ألفيناها تقوم على "الدّرس" وعلى "الرسالة". إنّ استتيقا الفكرة هي المجال الجديد الذي نريد أن يلتقي فيه الفكر والقيمة : وليس للقيمة أن تكون حصرا قيمة أخلاقية، فلها أيضا أن تكون قيمة جمالية بمعنيين : فهي القيمة الجمالية التي تنكشف عنصر المقاربة الفنية للعالم، وهي بمعنى ثان أعمق وأدلّ معدن صهر المقاربة الفنية للعالم ومقاربته الإيثيقية : الاستيتيقي هو عين هذا الصّهر، لأنه لا يقدر على هذا الصّهر غير القلب الكبير، أعني لقاء الإعجاب بالإجلال، لقاء الجميل بالجليل.
إنّ هذا "القلب الكبير" هو ما سأظلّ أطلب في كلّ كتاب من كتب تونس الأساسية.
           
-V-
مِن أوكد شروط الفكر الحقيقيّ مراجعةُ النّفس وتفقّد المنهج : فشرفُ السّؤال الذي نطرح وعلوّ مطلبه وجدّةُ وجهة النّظر التي نتّخذ، لا تبرّر مثل هذه المراجعة فقط، بل تُلزم بها إلزاما. إنّنا نريد مساءلة كتب تونس الأساسية من جهة كون كلِّ واحد منها، أعني الأساسيةَ منها، إجابةً عن سؤال "ما هي تونس ؟" تُعيِّنُها ممكنا من الممكنات. وليس مثل هذا المستوى من النّظر متاحا لمن ديدنُه جمع الأخبار : فجمعُ الأخبار، مهما بلغ من الدّقة والصّرامة المنهجية، ضمن الكتابة التاريخية، لا يمكنه أكثر من تفسير ما حدثَ على أنه أَوْحَدُ ما كان يمكن أن يَحدث. ثمة في الموقف التّاريخي شيءٌ من سوء النّية الصّامتة: فلا شكّ أنّ دور المؤرّخ تفسيرُ ما حدث، وتسلسلِ ما حدث، وضرورةِ ما حدث، حتى لا نقول حتميتَه. ولكنّ ذلك التّفسير يعمدُ إلى ضربٍ من المخاتلة يبدِّل ضمنها غائية التّاريخ الميتافيزيقية أو الثيولوجية أو الأخروية التي يتبرّأ منها، وهو محقّ، لأسباب منهجية موضوعية، بضرب من الغائية البعْدية التي تفرّد اللاحق فتجعل منه، لفرط ما تفسّره، حتما على الماضي، ومآلا ضروريا له، وتلك مفارقةُ الكتابة التّاريخية.
ولكنّ الكتابة التّاريخية ليست مرجع كلّ سؤال، وإنما يقوم الفكر في مواجهة الموقف التّاريخي، "استشرافا"، أي بناءً للمكن من دون سوء نية الحتم. وإنما يُنهج الفكرُ للإنسانية ما ترسُم به أفقها، استئنافا، أي معاودةَ نهل من الأساسي: هكذا تستطيع الإنسانية، أيُّ إنسانية، أن تعيش "حتم الحرية" كما كان قال سارتر، خارج طمأنينة التّقليد ووثاقة الأنهج المطروقة.. .  .   
إنّ مباشرةَ النّظر إلى تونس على أنها خزّان الممكن، ورسمَ الممكن انطلاقا من هذا الخزّان، هو ما يعنينا من العودة إلى كتب تونس الأساسية. فرسالةُ تونس، المحدِّدة لممكن الإنسانية من خلال الفكر، هي التي نريد فكّ شفرتها ضمن ما انعقد تقليدا وانغلق محاكاةً وسكت عن مخاطبتنا: كيف يمكن اليوم لقرطاج أن تظل تخاطبنا بعد دروس التاريخ، ومن وراء عرَض التّاريخ، وخارج الشّهادة السّطحية للتنوّع الحضاري المؤسّس لهويّة تونس، بل بحسب قصديتها المخصوصة، وبحسب معنى للعلاقة مع الآخر تؤبّده بأسلوبها، كيف يمكن أن تخاطبنا على نحو يحصل فيه لجحافل شبابنا شيءٌ غير مَلوك يحرّكهم، كيف يمكن أن تخاطب القيروان قلوبنا ومواجيدنا فنجدّد بفهم رسالتها رسم ممكن تلك القلوب اليوم، ومن دون أن يضيع ذلك الممكن ضمن تفاصيل الصّناعات.
ليس طرح هذه الأسئلة من قبيل الاحتيال للكتابة ولا الاصطناع لحبك استراتيجياتها. فما يحول دون المخاطبة المقصودة كثيرٌ سنعمد الآن إلى تفصيله أو تفصيل بعضه :  وليس أقلَّه أنّ نماذج الإنسان اليوم قد باتت تفضّل الاستعاضة عن مفهوم الهوية الذي تمثل طويلا في ضرب من الوحدة المتجانسة مع النفس، بمفهوم يقدّم عناصرها عبارة عنها : لذلك فقد باتت عناصر الهوية قابلة للاستظهار "بحسب الطلب". ولكنّ استظهارها ليس إثباتا لها بقدر ما هو إثبات لعدم انعدامها. فكأنما إنسان اليوم قد أضحت تتداول عليه أسئلة هوية متناوبةٌ، متخاذلةٌ، لا يكاد الواحد منها يمسك بمطلوبه حتى يتنازل عن غنمه لغيره يسأل عن مطلوب آخر، وهكذا دواليك حتى   لقد أمست جعبة إنسان اليوم مَعرضا  لعناصر هويّة تتخارج فيها أشتات شخصيته،  وأشتات ثقافته، وأشتات آماله، وأشتات علاقاته،  وأشتات ذوقه، وأشتات معرفته . . .  : وشخصيا فإني، مثلا، لا أرى في المسرح التونسي منذ عقود غير استنفاد مبدع، رائع، لا يني، لهذا الإنسان، واستعراض له يعمد إلى تجريده من عناصره، وتعرية صفور قراره، بتكثير عناصره التي لا تتكاثر إلا ليُصفر القاع ويتصحّر. إنّ تكثير عناصر الإنسان ضمن هذه المقاربة المسرحية لا يخدم إلا غاية توسيع قاعدة العدم التي يستوي عليها.
فما أحوج إنسان اليوم إلى درس في التأليف.
               
-VI-

إنّ  رسمَ قائمة عوائق [القراءة] التي تحول دون تقبّل خطاب المقروء إلينا، عملٌ لا يستنفده تحليل مختصر، وذلك مهما حرص على الاقتصاد. ولكنّه يظلّ مع ذلك ضروريا. بل هو ناموس إنطاق المقروء وفكّ شفرة رسالته التي يريد بثّها إلينا : ولولاه، ولولا أخذه بعين الاعتبار، لأسفّ تقبّلنا لأيّ مقروء من المقروءات إلى حدّه الأدنى، أعني إلى الحدّ الذي لا يكون عنده أكثرَ من مضمون من المضامين. لا أنكر أنّه يجوز أن يُعترض عليّ بأنّ المضامين، في أيّ كتاب من الكتب، وفي أيّ مقول من الأقاويل، وفي أيّ أثر من الآثار، هي حقيقة ذلك الكتاب، وواقع ذلك المقول، ومعطى ذلك الأثر. وليس على هذا الاعتراض من مأخذ. فشأن الأمانة في القراءة أنها لا تبيح لنا أن نستبدل بمقول  النّص ما لم يقله، وأن نستعيض عن منطوقه بما أسكته أوسكت عنه. وحيثما ألزمتنا الأمانةُ بالصريح الظاهر، لم يكن من الأمانة أن نذهب إلى الضمني والمضمر. ليس على هذا الاعتراض من مأخذ، لولا أنّنا فيما نذهب إليه لا نروم استبدال شيء بشيء، ولا الاستعاضة عن معنى بمعنى.
ولكنّ مضامين الكتب والمقالات ملغومة في بقائها، وفي خلودها الذي يعبر عن عنصر عظمتها، بمفارقة عنصرها التّاريخي الذي ترسّم به نفسها في الزّمان: فإمّا أنها "في الزّمان"، وساعتها فهي تزول بزوال زمانها، وإمّا أنها تتعالى عن زمانها، وتخترق الأزمنة التي تتراكم بيننا وبينها، وساعتها فإنّ خفّة مروقها من حجُب الأزمنة، ومن تحديدات التّاريخ التي تقيّدها بأن تكون بنت هذا الزّمان أو ذاك، تفرض عليها ضربا من اللاّزمنية التي تمسي بها حضورا في كلّ تاريخ. فكأنما شرطُ زمانيتها هذه [ أعني امتلاء حضورها في التّاريخ = وهو معنى استمرار مخاطبتها لنا رغم طول العهد واتّصال البعد] هو لا زمانيتُها [أي تخلّصها من توقيت انتمائها الذي يشدّها إلى الظّرف شدّا تفقد بزواله كلّ حضور].
لذلك لا يتعلّق الأمر عندي بأن أنكر المضامين، أو بأن أجحد قيمتها الموضوعية، ولكني أنشد فيها عنصرها الذي به تكون لنا اليوم أيضا. وإنما بهذا الكشف عن عنصر المخاطبة الذي يخترق به المضمون الموضوعي أزمنة التاريخ حضورا إلينا، بهذا الكشف يكون الفعل الفلسفي اليوم: محاورة لهذا الذي قيل، أي شهادة على حضوره. ولا شكّ أنّ هذا "الحضور لنا" هو قبل كلّ شيء فهم. فشهادتي على حضور المعنى هي إقرار بأني أفهمه. ولقد اجتمعت التّأويليات الحديثة، بضرب من التّوافق الرّاجع إلى مؤسسيها، وخاصة الألماني ف. شلايرماخر، على أنّ الفهم ليس هو المعطى الأول لعلاقتنا بما يوجد، اللّهم إلاّ إذا ما اعتبرنا الحكم المسبّق فهما، أو ضربا من ضروب الفهم : لستُ إذاً في الأصل ذاتا تفهم، وإنما أنا في البدء ذات لا تفهم غيرية المقروء الآخر، وتظلّ لا تفهمها حتى تتمثّل لها ضمن منطق يعيد بناء ذلك المقروء ويعيد استنتاجه، أي يعيد إقامة علاقات التّرابط بين عناصره بما يجعله ذا معنى لنا.
إنّ تقبل المقروء هو إذاً إعادة بناء له وفق "منطق للمعنى" [logique du sens] ليس بأيّ حال من الأحوال منطقا اعتباطيا للمعنى. فلا ينبغي أن نسهو عن أنّ ما نطلبه الآن من خلال التذكير ببعض عناصر الإشكالية الحديثة للمعنى هو تحديد إطار مخاطبة المقروء التّاريخي لنا، وذلك ضمن تساؤل جعلناه تحت هذا العنوان "المثالي": ما هي تونس ؟
ولابدّ أن نعترف أننا إننا إزاء هذا السؤال في وضع شبيه بذاك الذي كان وصفه أوغستين لدى استفهامه للزّمان : "ألا ما الزمان إذاً ؟ لئن لم يسألنيه أحد، فقد عرفتُه، فإذا  سُئلت أن أفسّره، صرت لا أعرفه". كيف يمكننا إذا، أن ننطلق من هذا الذي يعرفه كلّ واحد منّا، في قرارة قرارة نفسه، ذكرى، أوشعورا، أو إحساسا ملازما لذكرى، أو أملا، أو رؤيا، أو فكرة، لنصوغ منه هذا الذي اعترف أوغستين أنه إذا ما حاوله محاولة، أشكل عليه حتى صار لا يعرفه. كيف يمكننا اليوم أن نرتّب عناصر رؤيتنا المتأتية مما اصطلحنا على تسميته بإجمال "المقروء التاريخي" [والذي يشمل جميع عناصر كياننا المعطاة، وحدثيتنا [facticité] التي وُجدنا ضمنها، هذه الحدثية التي صاغت نفسها في كتب تونس الأساسية، من "دستور قرطاج" إلى "تأصيل الكيان"، ومن اعترافات أوغستين ومن مقدمة ابن خلدون إلى أغاني الحياة. . . ؟
ولكنّ معالجة هذا "المقروء التاريخي" الذي بات الآن واضحا أنّ مفهوم الأثر فيه لا يُقصي عنصره السّياسي الحضاري ولا الفكري الإبداعي، ولا الفني الإيثيقي، بل هو يجمع بينها، ولكن من جهة ما صاغتها الكتب، ودونتها المقالات، إنّ هذه المعالجة التي تروم إقامة "معنى تونس" أي رسالتها التي ترسل للعالم، هي معالجة تتخطّفها العوائق والأحكام المسبقة.
   

المقال الثاني [11/ 9/ 2011] : ما هي تونس ؟ 1 - 3

علــى غيــر أوان                                                                                  


محمّد أبو هاشم محجوب


 تنبيه : 
 صدر هذاالنصّ [ على غير أوان : ما هي تونس ؟في صائفة سنة 2009 ضمن إحدى الصّحف السيارة، وفُعل به ما فعل حتى انقطع.
ولكنّ أحدا لم يتفطّن آنذاك إلى ما يحمله هذا النّص الفكري من نقد ذاتي لما انخرطت فيه الجوقة العامّة، دون تفصيل، من الاستعاضة عن التّفكير بالترديد، وإلى ما يحمله من الاستباق إلى طرح سؤال لا أعتقده إلا ملاقيا بعض جوابه في صرخة 14 جانفي 2011.
 لذلك أنشرُه اليوم إنصافا له. وأنشره ليُقرأ، بعد أن مرّ- في جلبة الجوق - من وراء الآذان. إنّ شأن الفكر الجوهري أنه لا يُسمع إلا على غير أوان.

ما هي تونس ؟

I

سأتحمّل ما قد يجدونه في هذا السّؤال من رقاعة السّائل وصلف المحبرّ. فلئن لم يكن يقع على من يسأل حرجُ السّؤال عمّا لا يعرف، ما دام بسؤاله يستفهم ما لا يَفهم ويستوضح ما لا يتوضّح، فإنّ سؤاله يتحوّل إلى  ضرب من فدامة القريحة عندما يتعلّق بالبديهي المطروح في الطّريق. وهل أكثر بداهة ووضوحا مما نسأل اليوم عنه : تونس. فلقد حَفظناها طولا وعرضا فيما حُفّظنا من المتون المدرسية، وأحببناها فيما عُلّقناه من نسيمها الذي كاد يحيي ويميت،  ومن منّا لا يعرف اليوم تاريخها وجغرافيتها، من منّا لا يعرف اليوم أعلامها ورموزها ؟ ومن منّا لا يعرف اليوم جبالها وشواطئها، وغاباتها وأوديتها، ومن منا لا يعرف اليوم آثارها وكنوزها، ومن منا لا يهيم اليوم بحبّها : من منا يُشكل عليه اليوم أمرُها إذاً، حتى يلوذ بالسّؤال عنها، وكأنما بات لا يُغنيه ما يعرفه عنها، فيسأل عنها دفعا لكلّ بداهة ولكلّ معرفة مفترضة ؟
"ما هي تونس" : سؤالٌ لا محلّ له من الإعراب، ولا وقت لطرحه في زحمة ما يلحّ من المشاغل والمآرب، ولذلك هو سؤالٌ على غير أوان، لا يطيقه ولا يصبر عليه إلا من لم يكن له شأن يشغله.
سأتحمّل إذاً أن أُحشر ضمن أولئك الذين لا شغل لهم حتى بلغ الفراغُ منهم مبلغا، وسأسألُ كلّ الذين يعرفون: ما هي تونس ؟ ولن تفاجئني الأجوبة : بعضها يستعرض عراقة التّاريخ، وبعضها عظمة الوجوه المؤسّسة، بعضها يحيل على العادات، وبعضها يجرّد المشترك ليجد فيه هيكل شخصية أو ملامح نمط،  بعضها ينتصر بكثرة المعارف، وبعضها ينكر عليَّ أن أتزهّد فيها بحثا عن مزيد لا يدري أحد ما هو، بعضها يعيب عليّ دخول إقليم اختصاصه، وبعضها غفلة الباحث عن الشيء في غير مكانه. ليس سؤالي "ما هي تونس" سؤالا على غير أوان فقط، هو كذلك سؤال في غير مكان.
ومع ذلك فورائي وقبلي أسئلةٌ قريبةٌ مماثلةٌ طُرحت، لا أملك لها دفعا ولا ردّا : ما قولي كذا، وقد سألها فوكو و هوسرل وهيدغر وباتوشكا عن أوروبا ؟ ما قولي كذا وقد سألها فيشته عن ألمانيا وعن الأمّة الألمانية ؟ ما قولي كذا وقد سألها سقراط عن أثينا ؟ وسألها الفارابي عن مدينته ؟
ما هي تونس: سؤالٌ لا وقت له، ولا موضع، ولكنّ له حسبا ونسبا. هو على وزن أسئلة ثقيلة رسّبها تاريخ الفكر كأسئلة فارقة حاسمة. هو على وزنها فكيف يكون كذلك من طينتها ؟ هو على وزنها فكيف يكون كذلك على أرضها ؟ هو على وزنها فكيف يكون كذلك من جنسها؟
ولكنّها طينةٌ وأرضٌ وجنسٌ لا يملك المرء أن ينشد عليها غير ضرب من المحاسبة، وتراجعا مفكِّكا : إما تراجعا مفكِّكا لما هو كائن، نُشدانا لما ينبغي أن يكون،  هكذا كان شأن أفلاطون : لنفترض أنّ المدينة لا توجد، فكيف يمكن أن تكون من الأصل كيانا "عادلا"، "جميلا" و "حقّا". وإمّا تراجعا مفكّكا لما لم يكن وفق العقل، فكيف يمكن استنظامه حتى يكون وفق العقل - هكذا كان شأن الفارابي : في هذه المدينة ملةٌ [هي الآراء والأفعال] وردت على غير ترتيب العقل، فكيف ينبغي ترسيم آرائها وأفعالها ضمن منطق العقل، حتى تكون وهي الفاضلةُ بحسب الملة الفاضلةَ بحسب الفلسفة. وإما تراجعا مفكّكا لابتداءٍ  تعقَّد واحتَبك حتى صار محبِسا على الإنسان، فكيف يمكن الابتداء غيراً إطلاقا لإنسانية الإنسان ورفعا لكرامته – هكذا كان شأن هيدغر : ما الذي يحجُبه عنا ظلّ الميتافيزيقا الذي أظلنا منذ الابتداء حتى أصبح الإطلاق حبسا ؟ وإمّا ... وإمّا ...
كذلك كان شأن تلك الأسئلة. أمّا أنا فلا أريد أن أفكّك. وإنما أريد أن أجد في الكثرة التي تبادرني لدى ما أنطق باسم هذا البلد الذي أحبّ، وحدة تجيبني عن سؤالي : ما هي تونس ؟ قد تكون وحدة المفهوم، وقد تكون وحدة الأنموذج، وقد تكون وحدة الأسلوب. ولكنني لن أرضى بوحدة الملخَّص الذي يشبه ما حفظته من الملخّصات المدرسية التي كان لها دور لعبته وانتهى وقتها.
سؤالي إذاً هو سؤال فلسفي : وهو لذلك سؤال على غير أوان.


II 

ولكن لينْأَ هذا السّؤالُ عن مقامه ما شاء، وليخرج عن مؤاتاة المناسبة ما اتّفق له أن يخرج : وكيف يمكنه، على أيّة حال،  أن يتوقّى النّأي والخروج، وقد شغل القومَ عنه شاغلُ الكسب والجدوى، وشاغلُ التقدُّم والبناء، وشاغلُ السّعادات والحيوات. فما هي تونس أمرٌ لاشكّ قد مرّ في ما نعمل [الفعل]،وتطرّق إلى ما ندوم [التاريخ]، وتصوّر في ما نروم [الغاية] : كيف يَسأل عمّا هي تونس من ملأ الفعلُ عليه حياته، ومن تفكّر في ديمومته واتّصال زمانه حتّى صارهما، ومن تأمّل كلّ ذلك على صفحة مآل يصل الحياة بالحياة. ما هي تونس، أمرٌ قد مرّ في كلّ ذلك، ضمنا أو تصريحا: ولكنّه في مروره ذاك قد كشف عن وجوه الفعل، والتّاريخ والغاية في تونس. أفلا نكون نحن، إذ نطرح اليوم سؤالنا هذا، كأنّما نؤاخذ كلاّ من هذه الوجوه بتقصير ما ؟ أفلا نكون بطرحنا لهذا السّؤال، كأنما قرّرنا أنّ جوابه ليس من شأن الفعل، وليس من شأن الوجود التّاريخي وليس من شأن المعتقد. وفعلا، هو ليس من شأنها. فليس شأن الفعل إذا ما رمنا حقيقته وماهيته أمرا يدرك "فعليا". وليس شأن الوجود التّاريخي إذا ما رمنا حقيقته وماهيته أمرا يُدرَك "تاريخيا". وليس شأن المعتقد إذا ما رمنا إدراك حقيقته والإحاطة بكنهه أمرا يدرك اعتقاديا. ورغم تعارض هذه القضايا الثّلاث مع بسائط الحكمة المشهورة القائلة بأن ليس للمرء في معرفة أمرٍ ما من سبيل أوفى به من التّجربة، والمعيش، والخبرة الذاتية، فإنّ الفعل لا يفي بماهية الفعل، والوجود التّاريخي لا يفي بحقيقة التّاريخية، والمعتقد لا يعطي ماهية الاعتقاد. ولاشكّ أنّ هذا الاعتبار سيبدو بديهيا مبذولا لدى من يفهمه ضمن الثّنائية الملوكة للذّاتية والموضوعية، فمن بسائط الحكمة المشهورة كذلك أنّه لا يمكن الاطمئنانُ إلى ذات تحدّثنا عن معيشها.
سؤال "ما هي تونس" ليس سؤالا معروضا على مصنّفات التّاريخ، وإن كان في ما تحويه هذه من الأخبار والرّوايات كفاية لكلّ ذي حاجة.
سؤال ما هي تونس ليس سؤالا معروضا على كتب العقيدة على اختلافها، وإن كان في هذه رسوم ما استقرّ عند النّاس أنّه هو الغاية من الحياة، ورسوم ما صحّ عندهم أنّه هو سبيل تلك الغاية.
ومع ذلك فليس لنا من سبيل غيرُ محاورة هذه المصنّفات، لأنها هي التي تفي بالوجه الذي يبدو في كلّ مرة أنّه هو تونس: وجه الفعل، ووجه التّاريخ ووجه المعتقد. ولأنّ الأمر قد بات يتعلّق في كلّ واحد من هذه بوجه، فإن أوّل ما يتعين علينا إزاء الوجه هو رسم الملامح. وما رسم الملامح بالأمر الهين.
كيف يمكن محاورةُ الفعل ملمحا من ملامح تونس ؟ فرسمُ ملامح الفعل ليس جردا لمآثره، وإنما هو مرافقةٌ بالتفكير للفعل. وكيف يمكن محاورة تاريخيتنا، أي معنى علاقتنا بالتاريخ،  ملمحا من تلك الملامح ؟ فليس الأمر في ذلك أن نأخذ عمّا تصفه التجربة التاريخية، وإنما أن نقرأها على أنها تفي بما لا تقول، وإنما علينا أن نستنطق هذا الذي لا تقول جوابا  عن سؤالنا. وكيف يمكن محاورة "عقيدتنا" على جهة كونها تصدر عن معنى لتونس، أو كونها تخصّص لها معنى ينبغي الكشف عنه. لابدّ أن نقرأ نصوصنا، وأن نظلّ نقرأ حتى تُشكل علينا وتزولَ عنها بداهة المظهر التي تزين لنا أننا نفهمها، وأنها واضحةٌ، وأنّ كل ما علينا هو "الأخذ عنها". فشأنُنا مع نصوصنا ليس أن نأخذ عنها، وأن نردّدها بعبارة أخرى، وأن ننقل للنّاس من أخبارها ما قرأناه "عوضا عنهم"،  وإنما شأننا معها أن ندرك المعنى الذي تفيض به، لا دلالة من الدّلالات، ولا عبرة من عبر "الدرجة الأولى" : وإنما تونس رسالةٌ إلى النّفس ورسالة إلى العالم. وهذه الرّسالة كتبٌ تجدّد قراءتُنا لها كلَّ يوم فهمنا لماهيتها وفهمنا لأنفسنا صدورا عن تلك الماهية.
سأعيد إذن فتح كتبي التي كنت قرأت، وسأنفُض عن صفحاتها غبار التّقليد ؛ ومن بعد معاشرة لها طالت ولكنّها لم تُعثرني على غير أخبار تصف وتوصّف،  سأنشد ضمن طياتها معنى يحدّثني عمّن أكون.

                                                  
               
III


لن يتعلّق الأمر عندي بالتّخلي عن كتبي : وكيف يمكن تجريد تونس عن اعترافات أوغستين، ومقدمة ابن خلدون، ومسالك خير الدّين، وإتحاف ابن أبي الضّياف، ومقاصد ابن عاشور،  وأغاني أبي القاسم الشّابي، وعن . . .  وعن . . .  ؟  ولكنّي سأنظر فيها نظرا يستدرّ معناها، ولا يستكثر عليها أنها تفكّر مع من يفكّر، ضمن جوق الفكر الكوني، فليست كتبي مادّة لفكر كوني يصوغ مفهومها وكأنما يستنقذه من ضيق أفق المحلّ، أو يرتّب درجتها  على سلّم الزمان، كأنما يبتغي لها حفظا : عجبتُ لأمر هؤلاء القرّاء، من بني جلدتي، يتسابقون إلى اكتشاف ما قد يرتّب  فكر هذه الكتب شذرات [fragments]  أو أفورسمات [aphorismes] لا وزن لها في معيار المفهوم والفكرة: هكذا صار أوغستين مفكّرا مسيحيا [أيضا] نُنصع على عتباته بكارة تقاليد التّسامح في إفريقية، وهكذا انتهى أخيرا أبو القاسم الشابي إلى رافد من روافد سبق رومنطيقيتنا [نحن أيضا !! ]. ثمة في مناهج قرّائنا حكم مسبّق مكين يحبس مقارباتهم، فلا يقعون رغم بعد تحليقهم إلاّ قريبا : فكأنما يسلّمون أنّ كتب هذه البلاد  لا يمكنها أن تكون أكثر من صدى، وأنّ فكر هذه البلاد ترديد ولو بادر، وتكرار ولو غادر. وإنك، مثلا، لتقرأ مع ذلك في مستقِرّ العلم والمعرفة أنّ أسئلة أوغستين أنموذج لفكر "صارم"، قد بلغ من مثالية الوضع [exemplarité] ما جعل صوته يغيب عنّا حتى بات شأننا معه كشأننا مع أي حدث عجيب يقع في صقع سحيق، فنتسقّط أخباره، لأنّه لا يقع "اليوم وهنا". وإنما صنع به الذين قرؤوه ما صنعوا، فما ترانا به صانعين ؟ أم هل وطّنّا النّفس على أنه إرث غيرنا ؟ وليس يبرّر وجومنا عنه، مثلما قد يبدو، بُعد العقيدة عن العقيدة. ذلك أن قراءته ليست أخذا عن عقيدته، وليس يلزم من أنّه إن قرأنا أوغستين اليوم، أو قرأنا غيره من أبناء هذه الأرض، وأمعنّا النظر فيه، وأحكمنا نصوصه، أن ليس لنا بدّ من الأخذ عن عقيدته : ذلك أنّ أوغستين، والشابي، وابن خلدون، ... ليسوا على الأفضل مضامين مذهبية إلاّ  عند من كان يستعجل أمره. وإنما هم إيقاع الفكر وأسلوب فعل التّفكّر : وليسوا بمضامينهم [المختلفة والمتنوعة] غير أعوان استيتيقا غالبة هي التي تستعمل المضمون والحامل. ومن الواضح هاهنا أننا لا نستعمل الاستيتيقا في معناها الفنوني المعروف، بل نمدّها إلى معنى المقام الأسلوبي، المقام الذي  يسطّر حدود كيفيةٍ في مقاربة العالم وملئه معنى : إنّ وحدة هذا المقام، بما هي وحدة الإحساس بالوجود،  من قبل – ومن بعد  -  اختلاف الكتابة الأوغستينية والخلدونية والشابية ... هي ما يهمّنا في قراءتهم، وهي مقصدنا في تحديد الفكرة التي هي تونس.
كيف يمكن قراءة الكاتب من هؤلاء، أيّا كان، على أنّه عون لاستتيقا فكرة هي تونس، فذلك ما أريد أن أجرّبه دونما نسج على منوال. فلينظر المرء فيما  صدّر به محمود المسعدي أحاديث أبي هريرة، في إهدائه وتمهيده، ليجد بعضا من هذا الذي نشير إليه : إيقاعُ حياة ولحنٌ لها لا يصدران عن تمثل مضمون من المضامين، ولو كان مضمون قرآن يُرتَّل، أو حديث يُسرد، وسبيلُ إيمان، لا إيمان،  هو كلّ ما يؤثَر عن بحر المضامين التي وسعت صباه، مثلما وسعت صبانا.
 إنّ جوهر الفكر أنّه رسم إيماءة، وإنهاج سبيل بتلك الإيماءة : ولكنّه لا يرسم ولا يُنهج إلا متى قرأناه ورفعنا عنه وحدته، وعمّرنا فراغ المسافة التي تفصلنا عنه. هو لا يرسم ولا يُنهج إلا متى تمثلناه فلم نردّده.
وإنما في ذلك يكمن بعض من  استتيقا الفكرة ورسم أسلوبها الذي منه معدن شخصيتها، تماما كما كان نبّه فريدريش نيتشه الشاب، لدى فاتحة كتابه عن مولد الفلسفة زمن التراجيديا الإغريقية، نبّه على أنّه لا يقرأ فلاسفة الإغريق ومفكّريهم إلاّ ليجد فيما  كتبوه قطعة [Stück]، شذرة، من شخصيتهم : فلقد كان نيتشه واعيا تمام الوعي بأن ذلك هو الأبقى. قد تستطيع أن تلخص الفكرة، وقد تستطيع أن تحيط بجميع حيثياتها، وقد تفلح في توثيقها حدّ اليقين، وأن تؤمن بها معرفة دقيقة صارمة، ولكننا لا نرث الفكرة، ولا نبني حياتنا بها، وإنما نرث الأسلوب والروح : تلك هي استتيقا الفكرة، استتيقا فكرة تونس التي سأبحث الآن عنها

dimanche 11 septembre 2011

المقال الأول [11/ 9/ 2011] : التاريخ والعبرة


              



التّاريخُ والعبرةُ 

محمد أبو هاشم محجوب

تأمّلات [فينومينولوجية] خلدونية
تنبيهات أوّلية :

ما الذي أصبح ممكنا بعد ابن خلدون ؟ ما يُشير إليه هذا السؤال هو قبل كلِّ شيء وجهة في الإنصات إلى هذا المفكّر الجوهري، قوامُها :
1.   أنّ المفكّر ليس كذلك إلاّ بما يجعله ممكنًا، أي بما يسوّغه من إمكانات الفكر وبما يُنهجه من إجراءاته الجديدة.
2.   أنّ هذه الإمكانات، التي تبدو متّصلةً بمعرفة أو بمنهجٍ أو بتقنية، إنّما تخصّ في الحقيقة، المعاني الكيانيّةَ (significations existentiales) للإنسان، أعني حواملَ فهمه لوجوده.
3.   أنّ قراءة المفكّر إنما تنتخبُ لنفسها مقام الجوهريّ فيه، تفهّما لحدثيّتها (facticité) المخصوصة. ومن البيّن أن ليس لمثل هذه القراءة قيمةٌ في عين من يبحث عن ترديد كلام الآخرين، بعبارة أخرى. فإنّ الصّداقة مع الفكر ليست أمانةً لما يقول على قدر ما هي أمانةٌ لما هو، في قوله، لا يقول.
4.   لذلك ليس غرضي من هذه المحاولة إبرازُ ما قال ابن خلدون، وإنما هو إجلاءُ مالم يَقل، شرطا له. 
       ..............................
وتبعا لذلك فإنّ ما بات ممكنا بعد ابن خلدون هو بصرف النّظر عن الموقف من الإشكالية الإبستمولوجية للتاريخ (أي من مسألة معيار تمييز الصدق والكذب في الخبر)،  التفكير في التاريخ بوصفه موضع الكيان، ومَوْجِدَ الإنسان (Dasein de l’Homme).
إنّ المشكل الحقيقي الذي يتصدّى له ابن خلدون من بداية مقدّمته هو مشكل فقدان المعنى. ولاشك أنّه يمكن أن يُعترض علينا بأن مدخل المقدّمة مخصّص بوضوح لمسألة الخبر التاريخي. ولنا على هذا المأخذ ردّان : أوّلهما تصحيح. فسياقُ هذا المدخل ينزّل العلاقةَ بالخبر التَّاريخي ضمن غائية العبرة : " اعلم أنّ فنّ التاريخ فنّ عزيزُ المذهب جمُّ الفوائد شريفُ الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم، والملوكِ في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدةُ الاقتداء في ذلك لمن يرومه . . . " وثانيا، ما هي العبرة ؟ وهل كلّما تمثّلنا وقائع ماض ما حصل لنا من تمثلنا ذاك إدراك معنى؟  إنّ تمثّل الوقائع ضمن حدث ماض ما، يعنى إدراك بنيتها الدلاليّة من جهة ما هي عناصر محيلٌ بعضها على بعض ضمن ترتيب من إنشائها، لأنّه ترتيب لا يسابقها إلى بنية يضعها لها من قبل بحيث يؤدّي تلاؤمها مع تلك البنية إلى شهادتها عليها. إن ترتّب الوقائع ضمن بنية ذاتية قد يفيدنا بمدلول، ولكنّه لا يستطيع أن يفيدنا بمعنى. ويقتضي الحديث عن المعنى، على العكس من ذلك، تمدّد الإحالة التي لكلّ عنصر من عناصر بنية ما إلى خارج تلك البنية. إنّ ذلك التمدّد هو الانتشار الزّماني  الذي يسمح بالمعاودة على نحو غير تكراري، فكأنّما ترتسم لدى كل اطّلاع "على أحوال الماضين من الأمم" مضارعة لتلك الأحوال تعيد، بشكل ما، تولّد آنات تلك الأحوال على دياغرام هوسرل المعروف، بضرب من تشاكل (تآلف ؟ تضامن ؟) المصير، أي من تشاكل إيقاع الذهاب والإدبار، وذلك هو الذي نسميه درسا. ما الذي يسمح بتمثل ذلك التشاكل ؟ لا شك أن الذي يسمح به ليس أيا من العناصر إذا ما أخذناها في ذاتية ملامحها، أي في تضاريس فرادتها المخصوصة. إنّ خروج عنصر "الأحوال الماضية" من فردانية صورته (l’individualité de sa forme) ذات المدلول، إلى كثرته الهيولية (sa pluralité hylétique) هو الذي يسمح بتمثّل المعنى لدى الاطّلاع على "أحوال الماضي"، وهو الذي يسمح خاصّة بالانتقال من حديث يتمثّل الماضي إلى حديث يتمثّل التّاريخ بوصفه حدث المعنى .
إنّ التّاريخ بما هو كذلك ليس أيّا من ماض، وليس أيّا من حاضر ولا من مستقبل وإنّما هو عنصر (L’élément)  اللّقاء بالذّات، عنصر قراءتها وتأوّلها بما هو، في المعالجة الخلدونية، "محكُّ الخبر".
بأيّ معنى يمكننا إذن أن نقولَ إنّ منطلقَ ابن خلدون هو فقدانُ المعنى ؟
لاشكّ أنه يمكننا استعراض العبارات الدالة على ذلك وهي كثيرة ومتكررة : فأخبار المؤرخين هي "الخرافات المستحيلة"، و"الحكايات" المقدوح فيها والمحالة، و"خرافات القُصاص"، و"ما لا يقبله العقل"، الخ. إنّ إشكالية الصّدق والكذب في الأخبار لا تتولد ضمن المقدمة كأي إشكالية صورية للمعرفة، وإنما هي إشكالية من كونها تتناقض مع فكرة التاريخ بوصفه موضع العبرة، ومنزل الدرس. فكأنما كذبُ الخبر مُذهب للعبرة التاريخية. إنّ كذب الخبر مانع لزمانية التاريخ المخصوصة من أن تطلع على الوعي وتعمر "قصديته" كتجربة تضارعٍ للأحداث ضمن ما يخبِره هذا الوعي معنى. إن كذِب الخبر معطّل للتاريخ أي معطِّل للمعنى التاريخي بما هو درس وعبرة.
لاشك أن مثل هذا الكلام يفترض معنى للتجربة التاريخية، وربما كان أوكدُ ما يعترِض عليه أنّ عبد الرحمن بن خلدون لا يصوغ قوله في التاريخ على جهة "التجربة التاريخية" وإنما على جهة القول في المعيار الذي تتميز به الأخبار. ولعله يمكننا أن نردّ على هذا الاعتبار في وقتين :
فأولا، لا يفرّق ابن خلدون في نقده لما يجري من مفهوم التاريخ بين مضمونه كذبا ومضمونه صدقا ("وهما أو صدقا" في عبارته)، ويعني ذلك أن هذا المفهوم الجاري ليس يشفع له ما قد يتخلله من الأخبار الصادقة التي تطرأ عليه طروءًا،، وهو ثانيا يسدّد نحو جذر الموقف الروحي  الذي يصدر عنه هذا المفهوم الجاري فيعينه "نقلا"، و"جلبا"، و"تقليدا" و"بلادة طبع"  أو "تبلد عقل" و"ذهولا"،  و"جهلا" و"اتّباعا" و"غفلة" الخ.
إنّ صدور الخبر، صادقا كان أو كاذبا، عن مثل هذا الموقف يمنع تمدّد الدّلالة الذي يتمكّن به الحدث التاريخي من أن يغادر فرديته الصورية ليلتحق بالمادّة[1] المشتركة أي الحية للتاريخ بما هي معنى، أي بما هي مخبور وعي معاصر للديمومة.
ليس من اليسير أن يفهم المرء عروض "أصول العادة" وقواعد السياسة" و"طبيعة العُمران" و"الاجتماع الإنساني"، ولو كان نظريا، داخل إشكالية تاريخية. وإنّ في الإصرار على القول بهذا الابتداع الخلدوني "العارض" للاجتماع داخل التاريخ، مهما كانت وجاهته، إصرارا على تقييد الفتح الخلدوني بعلم من العلوم، أي إصرارا على عدم رؤية ما في هذا الفتح من الدرس الأنطولوجي، أي من الدرس الشارط لكل فتح جديد ولكلّ كشف جديد بعودة متفكرة إلى الذات. فإنّ الوضع الذي نحن بصدده يقبل بكل بساطة ولكن بكل عمق كذلك أن يصاغ على جهة السؤال التالي : لماذا يؤدي النّظر في الخبر التاريخي، من حيث صدقة وكذبه، ولماذا يؤدي السرد التاريخي للخبر، ولماذا يؤدي الإخبار عن الماضي،  إلى استطراد في الإنسان ؟ وإن في تردد الباحثين في تخصيص الكشف الخلدوني ما بين علم اجتماع، وفلسفة تاريخ، وفلسفة اجتماعية، واجتماع نظري، لعزما على عدم البصر بأن ما يجري ضمن المقدمة ليس إلا استئنافا للتفلسف لا يكمل فلسفة سابقة (ولاسيما أفلاطون وأرسطو) بقدر ما يجذرها بفتحها على ما هو موضوعها الحقيقي : الإنسان. وإنّ أوكد مقوّمات هذا الاستئناف هو استدراجُ تأويل الكيان الإنساني على الأرض، أي هبوطه إليها وعمرانه إياها، تاريخا، وتَمَثُّلُ "حقيقة التاريخ" خبرا عن الماضي بقدر ما هو  إمكان حدوث (أي بقدر ما هو صدور مطابق لطبائع الأشياء) . وإذا كان ثمة من حداثة لابن خلدون فإنما هاهنا تكون.
ولعلّ أظهر ما يبدو هذا الاستئناف الخلدوني هو في توجهه إلى مستوى من النظر في مسلمات العلوم وافتراضاتها يعسر معه ترتيب النظر الذي يفتتحه، كواحد من العلوم، وإلى جانبها. إنّ ما ندافع عنه هاهنا هو أن ابن خلدون إنما بسط في المقدمة نظرا أساسيا تأسيسيا ولم ينتخب لنظره موضوعا من الموضوعات المتاحة.
يقول ابن خلدون : "وهذا الفنّ الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من جنس مسائله بالموضوع والطلب" إن خاصّة هذا الفنّ إذن أنه فنٌّ مسائله في غيره من العلوم والفنون عارضة ضمن براهين تلك العلوم. ولكنها بالموضوع وبالطّلب (thématiquement) مسائله. ما عسى أن يكون هذا العلم الذي موضوعه لامبرهنات العلوم الأخرى ؟ أليست هذه اللامبرهنات هي مسلمات تلك العلوم وافتراضاتها ؟ وما عسى أن يكون هذا العلم الذي موضوعه التقاطع الصامت للعلوم الأخرى ؟ إنّ ابن خلدون على تمام الوعي بأن ما يقدم عليه علم جديد مجدّد، وهو يؤكد في أكثر من مناسبة أن الذي أعثره عليه إلهام إلهي "من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان".
إنّ اتخاذ صوامت العلوم غرضا ورفعها إلى مستوى القول الصريح "بالموضوع والطلب" هو الشأن الفلسفي الحقيقي. ولكنّ الموضوع المؤتلف من مثل هذا النّظر هو أحوال العمران البشري من جهة ما تمثل حقيقة التاريخ. فإن الإخبار عن الماضي لا يعطي معنى الوجود الإنساني على الأرض إلا متى ائتلفت الأخبار ضمن خثارة (concrétion) المن الذي هو أنا، تذكيرا لي في كل لحظة بأني "إنسان".  إنّ فقدان المعنى الذي يوقع الإنسانَ فيه زيفُ التّاريخ لا يرفعُ هذا الزيف بتصحيح الأخبار إلا متى كان هذا التَّصحيح أوَّلاً فهما من الإنسان لأحواله. فكأنما ينجز ابن خلدون بمقدمته ردّا (réduction) فينومينولوجيا أصيلا  يعتزل  (mise hors circuit, mise entre parenthèses) ضمنه  الخبر التاريخي صادقا كان أو كاذبا (وهذا شأن الإيماءة الفينومينولوجية [le geste phénoménologique]  الأصلية) ليحيل على التاريخ الأصلاني : فإذا التاريخ الأصلاني هو العمران البشري والاجتماع الإنساني، من جهة كونه خلعا لمعنى الزمان، أي لوحدته، على الماضي والحاضر. ليست عبرة التاريخ إذن إدراكا لحيلة نداور بها الأحداث، أو نعالج بها الحاضر، وإنما هي أن "نرسل" في كلّ مرّة للنظر في أنفسنا. لذلك ليس كمقدّمة ابن خلدون تأويلية  للنفس.  
ولكنّ الأصلاني الأصلاني  ضمن هذه الإيماءة، هو تحديد الموْجد الإنساني فهما للتاريخ. إن ما بات ممكنا بعد ابن خلدون هو إدراك أصلانية التاريخ بما هي أصلانية معنى الإنسان. ومع ذلك فإن هذه الدراسة لا يمكنها أن تكتمل دون مناقشة أصلانية التاريخ من حيث  النماذج المتاحة لها، وتحديد أنموذج هذه الأصلانية عند ابن خلدون.



















[1] يستعمل ابن خلدون العبارة في حرفها حين يقول ناقدا أسلوب الكتابة "التقليدية" للتاريخ : "فيجلبون الأخبار عن الدول وحكايات الوقائع في العصور الأول، صورا قد تجردت عن موادها" (ص.5)