مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

dimanche 18 septembre 2011

المقال الثاني [11/ 9/ 2011] : ما هي تونس ؟ 1 - 3

علــى غيــر أوان                                                                                  


محمّد أبو هاشم محجوب


 تنبيه : 
 صدر هذاالنصّ [ على غير أوان : ما هي تونس ؟في صائفة سنة 2009 ضمن إحدى الصّحف السيارة، وفُعل به ما فعل حتى انقطع.
ولكنّ أحدا لم يتفطّن آنذاك إلى ما يحمله هذا النّص الفكري من نقد ذاتي لما انخرطت فيه الجوقة العامّة، دون تفصيل، من الاستعاضة عن التّفكير بالترديد، وإلى ما يحمله من الاستباق إلى طرح سؤال لا أعتقده إلا ملاقيا بعض جوابه في صرخة 14 جانفي 2011.
 لذلك أنشرُه اليوم إنصافا له. وأنشره ليُقرأ، بعد أن مرّ- في جلبة الجوق - من وراء الآذان. إنّ شأن الفكر الجوهري أنه لا يُسمع إلا على غير أوان.

ما هي تونس ؟

I

سأتحمّل ما قد يجدونه في هذا السّؤال من رقاعة السّائل وصلف المحبرّ. فلئن لم يكن يقع على من يسأل حرجُ السّؤال عمّا لا يعرف، ما دام بسؤاله يستفهم ما لا يَفهم ويستوضح ما لا يتوضّح، فإنّ سؤاله يتحوّل إلى  ضرب من فدامة القريحة عندما يتعلّق بالبديهي المطروح في الطّريق. وهل أكثر بداهة ووضوحا مما نسأل اليوم عنه : تونس. فلقد حَفظناها طولا وعرضا فيما حُفّظنا من المتون المدرسية، وأحببناها فيما عُلّقناه من نسيمها الذي كاد يحيي ويميت،  ومن منّا لا يعرف اليوم تاريخها وجغرافيتها، من منّا لا يعرف اليوم أعلامها ورموزها ؟ ومن منّا لا يعرف اليوم جبالها وشواطئها، وغاباتها وأوديتها، ومن منا لا يعرف اليوم آثارها وكنوزها، ومن منا لا يهيم اليوم بحبّها : من منا يُشكل عليه اليوم أمرُها إذاً، حتى يلوذ بالسّؤال عنها، وكأنما بات لا يُغنيه ما يعرفه عنها، فيسأل عنها دفعا لكلّ بداهة ولكلّ معرفة مفترضة ؟
"ما هي تونس" : سؤالٌ لا محلّ له من الإعراب، ولا وقت لطرحه في زحمة ما يلحّ من المشاغل والمآرب، ولذلك هو سؤالٌ على غير أوان، لا يطيقه ولا يصبر عليه إلا من لم يكن له شأن يشغله.
سأتحمّل إذاً أن أُحشر ضمن أولئك الذين لا شغل لهم حتى بلغ الفراغُ منهم مبلغا، وسأسألُ كلّ الذين يعرفون: ما هي تونس ؟ ولن تفاجئني الأجوبة : بعضها يستعرض عراقة التّاريخ، وبعضها عظمة الوجوه المؤسّسة، بعضها يحيل على العادات، وبعضها يجرّد المشترك ليجد فيه هيكل شخصية أو ملامح نمط،  بعضها ينتصر بكثرة المعارف، وبعضها ينكر عليَّ أن أتزهّد فيها بحثا عن مزيد لا يدري أحد ما هو، بعضها يعيب عليّ دخول إقليم اختصاصه، وبعضها غفلة الباحث عن الشيء في غير مكانه. ليس سؤالي "ما هي تونس" سؤالا على غير أوان فقط، هو كذلك سؤال في غير مكان.
ومع ذلك فورائي وقبلي أسئلةٌ قريبةٌ مماثلةٌ طُرحت، لا أملك لها دفعا ولا ردّا : ما قولي كذا، وقد سألها فوكو و هوسرل وهيدغر وباتوشكا عن أوروبا ؟ ما قولي كذا وقد سألها فيشته عن ألمانيا وعن الأمّة الألمانية ؟ ما قولي كذا وقد سألها سقراط عن أثينا ؟ وسألها الفارابي عن مدينته ؟
ما هي تونس: سؤالٌ لا وقت له، ولا موضع، ولكنّ له حسبا ونسبا. هو على وزن أسئلة ثقيلة رسّبها تاريخ الفكر كأسئلة فارقة حاسمة. هو على وزنها فكيف يكون كذلك من طينتها ؟ هو على وزنها فكيف يكون كذلك على أرضها ؟ هو على وزنها فكيف يكون كذلك من جنسها؟
ولكنّها طينةٌ وأرضٌ وجنسٌ لا يملك المرء أن ينشد عليها غير ضرب من المحاسبة، وتراجعا مفكِّكا : إما تراجعا مفكِّكا لما هو كائن، نُشدانا لما ينبغي أن يكون،  هكذا كان شأن أفلاطون : لنفترض أنّ المدينة لا توجد، فكيف يمكن أن تكون من الأصل كيانا "عادلا"، "جميلا" و "حقّا". وإمّا تراجعا مفكّكا لما لم يكن وفق العقل، فكيف يمكن استنظامه حتى يكون وفق العقل - هكذا كان شأن الفارابي : في هذه المدينة ملةٌ [هي الآراء والأفعال] وردت على غير ترتيب العقل، فكيف ينبغي ترسيم آرائها وأفعالها ضمن منطق العقل، حتى تكون وهي الفاضلةُ بحسب الملة الفاضلةَ بحسب الفلسفة. وإما تراجعا مفكّكا لابتداءٍ  تعقَّد واحتَبك حتى صار محبِسا على الإنسان، فكيف يمكن الابتداء غيراً إطلاقا لإنسانية الإنسان ورفعا لكرامته – هكذا كان شأن هيدغر : ما الذي يحجُبه عنا ظلّ الميتافيزيقا الذي أظلنا منذ الابتداء حتى أصبح الإطلاق حبسا ؟ وإمّا ... وإمّا ...
كذلك كان شأن تلك الأسئلة. أمّا أنا فلا أريد أن أفكّك. وإنما أريد أن أجد في الكثرة التي تبادرني لدى ما أنطق باسم هذا البلد الذي أحبّ، وحدة تجيبني عن سؤالي : ما هي تونس ؟ قد تكون وحدة المفهوم، وقد تكون وحدة الأنموذج، وقد تكون وحدة الأسلوب. ولكنني لن أرضى بوحدة الملخَّص الذي يشبه ما حفظته من الملخّصات المدرسية التي كان لها دور لعبته وانتهى وقتها.
سؤالي إذاً هو سؤال فلسفي : وهو لذلك سؤال على غير أوان.


II 

ولكن لينْأَ هذا السّؤالُ عن مقامه ما شاء، وليخرج عن مؤاتاة المناسبة ما اتّفق له أن يخرج : وكيف يمكنه، على أيّة حال،  أن يتوقّى النّأي والخروج، وقد شغل القومَ عنه شاغلُ الكسب والجدوى، وشاغلُ التقدُّم والبناء، وشاغلُ السّعادات والحيوات. فما هي تونس أمرٌ لاشكّ قد مرّ في ما نعمل [الفعل]،وتطرّق إلى ما ندوم [التاريخ]، وتصوّر في ما نروم [الغاية] : كيف يَسأل عمّا هي تونس من ملأ الفعلُ عليه حياته، ومن تفكّر في ديمومته واتّصال زمانه حتّى صارهما، ومن تأمّل كلّ ذلك على صفحة مآل يصل الحياة بالحياة. ما هي تونس، أمرٌ قد مرّ في كلّ ذلك، ضمنا أو تصريحا: ولكنّه في مروره ذاك قد كشف عن وجوه الفعل، والتّاريخ والغاية في تونس. أفلا نكون نحن، إذ نطرح اليوم سؤالنا هذا، كأنّما نؤاخذ كلاّ من هذه الوجوه بتقصير ما ؟ أفلا نكون بطرحنا لهذا السّؤال، كأنما قرّرنا أنّ جوابه ليس من شأن الفعل، وليس من شأن الوجود التّاريخي وليس من شأن المعتقد. وفعلا، هو ليس من شأنها. فليس شأن الفعل إذا ما رمنا حقيقته وماهيته أمرا يدرك "فعليا". وليس شأن الوجود التّاريخي إذا ما رمنا حقيقته وماهيته أمرا يُدرَك "تاريخيا". وليس شأن المعتقد إذا ما رمنا إدراك حقيقته والإحاطة بكنهه أمرا يدرك اعتقاديا. ورغم تعارض هذه القضايا الثّلاث مع بسائط الحكمة المشهورة القائلة بأن ليس للمرء في معرفة أمرٍ ما من سبيل أوفى به من التّجربة، والمعيش، والخبرة الذاتية، فإنّ الفعل لا يفي بماهية الفعل، والوجود التّاريخي لا يفي بحقيقة التّاريخية، والمعتقد لا يعطي ماهية الاعتقاد. ولاشكّ أنّ هذا الاعتبار سيبدو بديهيا مبذولا لدى من يفهمه ضمن الثّنائية الملوكة للذّاتية والموضوعية، فمن بسائط الحكمة المشهورة كذلك أنّه لا يمكن الاطمئنانُ إلى ذات تحدّثنا عن معيشها.
سؤال "ما هي تونس" ليس سؤالا معروضا على مصنّفات التّاريخ، وإن كان في ما تحويه هذه من الأخبار والرّوايات كفاية لكلّ ذي حاجة.
سؤال ما هي تونس ليس سؤالا معروضا على كتب العقيدة على اختلافها، وإن كان في هذه رسوم ما استقرّ عند النّاس أنّه هو الغاية من الحياة، ورسوم ما صحّ عندهم أنّه هو سبيل تلك الغاية.
ومع ذلك فليس لنا من سبيل غيرُ محاورة هذه المصنّفات، لأنها هي التي تفي بالوجه الذي يبدو في كلّ مرة أنّه هو تونس: وجه الفعل، ووجه التّاريخ ووجه المعتقد. ولأنّ الأمر قد بات يتعلّق في كلّ واحد من هذه بوجه، فإن أوّل ما يتعين علينا إزاء الوجه هو رسم الملامح. وما رسم الملامح بالأمر الهين.
كيف يمكن محاورةُ الفعل ملمحا من ملامح تونس ؟ فرسمُ ملامح الفعل ليس جردا لمآثره، وإنما هو مرافقةٌ بالتفكير للفعل. وكيف يمكن محاورة تاريخيتنا، أي معنى علاقتنا بالتاريخ،  ملمحا من تلك الملامح ؟ فليس الأمر في ذلك أن نأخذ عمّا تصفه التجربة التاريخية، وإنما أن نقرأها على أنها تفي بما لا تقول، وإنما علينا أن نستنطق هذا الذي لا تقول جوابا  عن سؤالنا. وكيف يمكن محاورة "عقيدتنا" على جهة كونها تصدر عن معنى لتونس، أو كونها تخصّص لها معنى ينبغي الكشف عنه. لابدّ أن نقرأ نصوصنا، وأن نظلّ نقرأ حتى تُشكل علينا وتزولَ عنها بداهة المظهر التي تزين لنا أننا نفهمها، وأنها واضحةٌ، وأنّ كل ما علينا هو "الأخذ عنها". فشأنُنا مع نصوصنا ليس أن نأخذ عنها، وأن نردّدها بعبارة أخرى، وأن ننقل للنّاس من أخبارها ما قرأناه "عوضا عنهم"،  وإنما شأننا معها أن ندرك المعنى الذي تفيض به، لا دلالة من الدّلالات، ولا عبرة من عبر "الدرجة الأولى" : وإنما تونس رسالةٌ إلى النّفس ورسالة إلى العالم. وهذه الرّسالة كتبٌ تجدّد قراءتُنا لها كلَّ يوم فهمنا لماهيتها وفهمنا لأنفسنا صدورا عن تلك الماهية.
سأعيد إذن فتح كتبي التي كنت قرأت، وسأنفُض عن صفحاتها غبار التّقليد ؛ ومن بعد معاشرة لها طالت ولكنّها لم تُعثرني على غير أخبار تصف وتوصّف،  سأنشد ضمن طياتها معنى يحدّثني عمّن أكون.

                                                  
               
III


لن يتعلّق الأمر عندي بالتّخلي عن كتبي : وكيف يمكن تجريد تونس عن اعترافات أوغستين، ومقدمة ابن خلدون، ومسالك خير الدّين، وإتحاف ابن أبي الضّياف، ومقاصد ابن عاشور،  وأغاني أبي القاسم الشّابي، وعن . . .  وعن . . .  ؟  ولكنّي سأنظر فيها نظرا يستدرّ معناها، ولا يستكثر عليها أنها تفكّر مع من يفكّر، ضمن جوق الفكر الكوني، فليست كتبي مادّة لفكر كوني يصوغ مفهومها وكأنما يستنقذه من ضيق أفق المحلّ، أو يرتّب درجتها  على سلّم الزمان، كأنما يبتغي لها حفظا : عجبتُ لأمر هؤلاء القرّاء، من بني جلدتي، يتسابقون إلى اكتشاف ما قد يرتّب  فكر هذه الكتب شذرات [fragments]  أو أفورسمات [aphorismes] لا وزن لها في معيار المفهوم والفكرة: هكذا صار أوغستين مفكّرا مسيحيا [أيضا] نُنصع على عتباته بكارة تقاليد التّسامح في إفريقية، وهكذا انتهى أخيرا أبو القاسم الشابي إلى رافد من روافد سبق رومنطيقيتنا [نحن أيضا !! ]. ثمة في مناهج قرّائنا حكم مسبّق مكين يحبس مقارباتهم، فلا يقعون رغم بعد تحليقهم إلاّ قريبا : فكأنما يسلّمون أنّ كتب هذه البلاد  لا يمكنها أن تكون أكثر من صدى، وأنّ فكر هذه البلاد ترديد ولو بادر، وتكرار ولو غادر. وإنك، مثلا، لتقرأ مع ذلك في مستقِرّ العلم والمعرفة أنّ أسئلة أوغستين أنموذج لفكر "صارم"، قد بلغ من مثالية الوضع [exemplarité] ما جعل صوته يغيب عنّا حتى بات شأننا معه كشأننا مع أي حدث عجيب يقع في صقع سحيق، فنتسقّط أخباره، لأنّه لا يقع "اليوم وهنا". وإنما صنع به الذين قرؤوه ما صنعوا، فما ترانا به صانعين ؟ أم هل وطّنّا النّفس على أنه إرث غيرنا ؟ وليس يبرّر وجومنا عنه، مثلما قد يبدو، بُعد العقيدة عن العقيدة. ذلك أن قراءته ليست أخذا عن عقيدته، وليس يلزم من أنّه إن قرأنا أوغستين اليوم، أو قرأنا غيره من أبناء هذه الأرض، وأمعنّا النظر فيه، وأحكمنا نصوصه، أن ليس لنا بدّ من الأخذ عن عقيدته : ذلك أنّ أوغستين، والشابي، وابن خلدون، ... ليسوا على الأفضل مضامين مذهبية إلاّ  عند من كان يستعجل أمره. وإنما هم إيقاع الفكر وأسلوب فعل التّفكّر : وليسوا بمضامينهم [المختلفة والمتنوعة] غير أعوان استيتيقا غالبة هي التي تستعمل المضمون والحامل. ومن الواضح هاهنا أننا لا نستعمل الاستيتيقا في معناها الفنوني المعروف، بل نمدّها إلى معنى المقام الأسلوبي، المقام الذي  يسطّر حدود كيفيةٍ في مقاربة العالم وملئه معنى : إنّ وحدة هذا المقام، بما هي وحدة الإحساس بالوجود،  من قبل – ومن بعد  -  اختلاف الكتابة الأوغستينية والخلدونية والشابية ... هي ما يهمّنا في قراءتهم، وهي مقصدنا في تحديد الفكرة التي هي تونس.
كيف يمكن قراءة الكاتب من هؤلاء، أيّا كان، على أنّه عون لاستتيقا فكرة هي تونس، فذلك ما أريد أن أجرّبه دونما نسج على منوال. فلينظر المرء فيما  صدّر به محمود المسعدي أحاديث أبي هريرة، في إهدائه وتمهيده، ليجد بعضا من هذا الذي نشير إليه : إيقاعُ حياة ولحنٌ لها لا يصدران عن تمثل مضمون من المضامين، ولو كان مضمون قرآن يُرتَّل، أو حديث يُسرد، وسبيلُ إيمان، لا إيمان،  هو كلّ ما يؤثَر عن بحر المضامين التي وسعت صباه، مثلما وسعت صبانا.
 إنّ جوهر الفكر أنّه رسم إيماءة، وإنهاج سبيل بتلك الإيماءة : ولكنّه لا يرسم ولا يُنهج إلا متى قرأناه ورفعنا عنه وحدته، وعمّرنا فراغ المسافة التي تفصلنا عنه. هو لا يرسم ولا يُنهج إلا متى تمثلناه فلم نردّده.
وإنما في ذلك يكمن بعض من  استتيقا الفكرة ورسم أسلوبها الذي منه معدن شخصيتها، تماما كما كان نبّه فريدريش نيتشه الشاب، لدى فاتحة كتابه عن مولد الفلسفة زمن التراجيديا الإغريقية، نبّه على أنّه لا يقرأ فلاسفة الإغريق ومفكّريهم إلاّ ليجد فيما  كتبوه قطعة [Stück]، شذرة، من شخصيتهم : فلقد كان نيتشه واعيا تمام الوعي بأن ذلك هو الأبقى. قد تستطيع أن تلخص الفكرة، وقد تستطيع أن تحيط بجميع حيثياتها، وقد تفلح في توثيقها حدّ اليقين، وأن تؤمن بها معرفة دقيقة صارمة، ولكننا لا نرث الفكرة، ولا نبني حياتنا بها، وإنما نرث الأسلوب والروح : تلك هي استتيقا الفكرة، استتيقا فكرة تونس التي سأبحث الآن عنها

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire