مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

samedi 22 février 2014

كم ينبغي لنا أن نعمل حتى يعود لمدرستنا
بعض جوهرها المفقود !

 في مدارسنا اليوم لا يوجد مديرون :
 فالمدير شخص يجلب الاحترام، بعلمه، وهو ليس أستاذا ملّ القسم وسئم جلبة التلاميذ ففضّل أن يجرّب "تبديل السروج" وأن ينتقل من أمام السبورة، وأن يهرب من مواجهة بيداغوجية يومية للتلاميذ وأن يخفّف من مشقّة الإبتداع اليومي للدرس، ومن متطلبات الاقتدار المتجدّد على تبسيط ما يعسر فهمه، وعلى إشاعة جو من تلاؤم التعليم والتعلم، ومن التّحفيز على الاستفادة ...،  فضل أن ينتقل من كل ذلك إلى برودة المكتب الإداري، حيث لا لقاء إلا بعد تحديد موعد، ولا حوار إلا من وراء حجابة الأوراق، وحيث  لا زمالة إلا في إطار السيادة الإدارية المسنودة بقانون يُرى نادرا ويؤول كثيرا.
 ليس المدير ذلك أبدا. ولذلك ليس لنا في مدارسنا مديرون.
في مدارسنا لا يوجد اليوم أساتذة :
 فالأستاذ ليس ذلك الشخص الذي انتهى به المطاف إلى القسم لأنّه لم يجد بديلا عن ذلك، وإنما هو شخص ناجح، ذو شهادة علمية موثوقة، ومنطق قويم، ذو بلاغة ولسان، وحضور وبيان، ذو همة وضمير ، تواق إلى التواصل، ومحب لصناعة سياسة الصبيان وتدبيرهم، حريص على نقل المعرفة وترسيخ المنهج، يسأل الله كل يوم أن يصبح تلاميذه خيرا منه، حتى يحقّق مثال الأستاذ ومنواله، ويستزيد كل يوم من المعرفة فلا تتكرر دروسه ولا أساليبه، ولا يضجر منه تلاميذه لأنهم لا يستطيعون أبدا أن يتوقعوا منه درس الغد، أما هو فسمّاع لمشاغلهم، ملاحظ لتدرجهم، حساس بصعوباتهم، مذلل لها بما أوتي من الكفاءة والقدرة على استحضار أساليب التواصل والتبليغ. ليس الأستاذ هو ذاك الذي يترصّد زلاّت تلاميذه ليقايضها دروسا خصوصية، ولا هو بالضعيف يخفّ إلى الانفعال عند أول معاكسة.
لذلك لم يعد في مدرستنا اليوم أساتذة.
في مدارسنا لا يوجد اليوم تلاميذ :
لأنّ التّلميذ قد تخيّر من كل علاقات الدنيا أن يكون ابنا، أو أن يكون صديقا، بما في هذين من الاحترام، ومن محبّة المعرفة ومن الثّقة في معلّمه، والحرص على تمثل المضامين التربوية أحسن تمثّل. ليس في مدارسنا تلاميذ: بل فيها قوم  أصبحوا يدخلون المدرسة وقد خرجوا منها من قبل أن يدخلوا: أمامهم أنّ دراستهم لا هدف لها، وأن معرفتهم لا جدوى منها. تلميذنا اليوم مرعوب مرعود: لا كثافة فيه، ولا ثقة له في نفسه. تلميذُنا اليوم يلزمه إعادةُ تأهيل سيكولوجية، تمكنه من تقبل المعرفة تقبلا والمشاركة في بنائها بناء، ومن بناء نفسه في كل ذلك حتى يحصل كيانا ذا معنى، صائغا للقيم. ويلزمه خاصة أن يجد حقّا ما تعد به كلّ مدرسة محترمة : أن تكون هي وسيلة الرقي الاجتماعي.
أعلم أني قد عمّمت، بل أعلم أني قد بالغت في التّعميم. لذلك أعتذر صادق الاعتذار لدى كلّ من لا يجد نفسه معنيا بما وصفت. ولكني كذلك ألتمس العذر لنفسي :  فكم ينبغي لنا أن نعمل حتى يعود لمدرستنا بعض جوهرها المفقود، وحتى يرجع إليها المعلمُ بعد أن هجرها، والتّلميذُ بعد أن بات  يحقد عليها !


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire