مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

jeudi 13 février 2014

‘نقد العقل العملي’ لإيمانويل كانط إلى العربية

محمّد محجوب

FEBRUARY 10, 2014

إيمانويل كانط، نقد العقل العملي، تعريب وتقديم ناجي العونلّي، جداول للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، نوفمبر 2011، ط1. 304 ص. 

للمترجم في كلّ الألسنة حوَلٌ أصليٌّ هو أصليٌّ من النّظر نظرا مرافقا لولادتين، في ولادتين : ولادة النّصّ الأصلي إذ هو، المترجم، لا يرضى تأويليا بأقلّ من ذلك للفهم، مادام الفهمُ، على ما صرّح شلايرماخر منذ مفصلته لحدسه الأوّل في 1805، هو عكسٌ وقلْبٌ لفعل قولي مكتمل، يقصد إلى استنتاجه أي استدراجه من مولده وفق تسلسل الضّرورة التي صار بها إلى كماله، أي يقصد إلى أن لا يقبل كقول مكتمل إلاّ ما انفرضتْ ضرورتُه بعد بنائه وإعادة بنائه. وأمّا الولادةُ الثّانية فولادةُ النّصّ المترجم إعادةَ كتابة لتلك الضرورة، أي صياغة للفهم بما هو فهم المترجم ولما يسوّغ الفهم بما هو فهم القارئ. 
لذلك كان رهانُ ترجمة العونلّي لنقد العقل العملي إعطاءَ النّقد، في عربية فلسفية ليس من المؤكّد أنها مستعدّةٌ لقبوله وسماعه. فليس العقلُ من مألوفاتها إلاّ بقدر ما انحصر ضمن المعاني ‘المطروحة في الطّريق’ آلةً للمعرفة، ومعيارا، وحدًّا مميزا، ولفظة لا نهاية لمرادفاتها لأن العبرة لم تكن بالسؤال عن ماهيتها. وباختصار فإن ترجمة نقد العقل العملي، عموما، كما ترجمة نقد العقل المحض أو نقد ملكة الحكم، هي إقامة للعقل النقدي في العربية ولابدّ لها أن تعي ذلك وأن تهيء له. 
وليس في العربية معجم هيىء لذلك من قبل : أعني معجم الترنسندنتالي والقبلي، ومعجم التمييز بين المظهر والظاهرة … وليس فيها ما يدل على تقليد في تمحيض هذه المفردة أو تلك لهذا المعنى أو ذاك داخل رطانة كانت هي أساس رطانات الفلسفة الحديثة والمعاصرة بلا منازع. 
ولكن رطانة كانط المفهومية الاصطلاحية – كثيرا ما تحجب عنا جدة الكتابة نفسها من حيث ما هي تغريض لإقامة ميتافيزيقية جديدة للإنسان. 
ذلك ما نهض له ناجي العونلي منذ المقدمة التي وضعها وكان جديرا أن يفردها كتابا مستقلا بذاته ودراسة محيطة بغرض فيلسوف كونغسبرغ من نقد العقل العملي. فهذه مقدّمة [صص. 7-87] تبدأ فتُلحق نقد العقل العملي ببداية المشروع النقدي منذ 1781 إجابة عن معضلة ‘القضاء الميتافيزيقي للعقل البشري’ (ص. 13)، وتبيانا لمحنة الفلسفة بما هي ميتافيزيقا (ص. 15) من أجل إظهار حدّة/جدّة لا ‘أسباق’ لها (ص. 16) مدارها الأوحد : إمكان الفلسفة.
‘إنّ المشكل الكانطي في نشوئه كما في تطوره، هو إذاً مشكل فلسفة لم يعد إمكانها بينا بنفسه، بل هو ترجمان لنازلة الفلسفة عندما يستوي فيها إمكانها الأقصى وامتناعها الأقصي’ (ص. 17-18). 
هكذا يتقدّم التّحليل على امتداد صفحات المقدّمة تعريفا بحدود نقد العقل المحض ‘في تقرير الحرية العملية على معناها الموجب’ وفي ‘ضبط فكرة القانون الأخلاقي كما ينعطي للإرادة المحض’ (ص.27)، وتأريخا للتفكر الكانطي في الحرية العملية من خلال تتبعه ضمن تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق (صص. 28-42)، فـنقد العقل العملي (43-82).
ولقد توفّقت هذه المقدّمة الكثيفة جدّا في ملء مطلوبها : جعل قراءة نقد العملي وفهمه ممكنين بإحلاله ضمن تطور الفكر الكانطي كاستشكال للسؤال النقدي لا كنسق من الدوغماتا المعروضة عرضا. فلا يتعلق الأمر عند ناجي العونلي بعرض فلسفة كانط الأخلاقية وإنما باستقامتها حوارا داخل الفكر الكانطي نفسه فضلا عن أن تكون حوارا معنا.
ولعلّ ترجمة النّص بعينها هي الجوهرة التي توّجت هذا المجهود الرائع الذي نقرأ اليوم خلاصته : فهذه ترجمة أعرضت عن الوساطات إعراضا كاملا، بل أعرضت عنها حتى بحجّة مناقشتها، مثلما يتعلّل كثيرون. ألمانية كانط حاضرة ضمن ما أنطق به العونلّي كانط على لسان العرب. وويل لترجمة لا تشعر قارئها بأنّ ما يقرأه إنما هو نص أجنبي أعني نصا له غربته المخصوصة، بل له تلك الغربة في لغته قبل لغتنا. إن إلحاح البعض على جعل النّص في لغتنا كما لو كان ابتداء كتب بلغتنا هو إلحاح أخرق، لا يعي ما يفعل. لا شيء يبرر سلب النص من جنابته الأصلية، أو من ‘علاّته’ الأصلية. يقول : ‘فتبيَّن لنا أن جملة كانط تظلُّ في جوهرها جملة ‘مدرسانية’ كثيرا ما تحتذي، على الرغم من تركُّب تفريعاتها وتشعُّب إضافاتها بحسب المقامات والمواضع، بجملة معلّم ألمانيا كريسيان فولف من حيث ضبطُ المفاهيم وتقييدُ الحدود، بل حتى من حيث وتيرة انبساطها ونفَس امتدادها. فعزمنا على ألاّ نحبس هذا الامتداد أو نقطعه (كما ذهبتْ في ذلك الترجمات الفرنسية لنصّ 1788)، وأن ننقله على علاّته من دون أيّ إخلال بترسُّل الجملة الكانطية في حدّ ذاتها ومهما تشعّبت الإحالة من الجمَل المضافة إلى الجملة الرئيس′ (ص. 83). لا شيء يبرّر حرمان النّص من خصوصيته في لغتنا، إذاً، لأنها قبل كل شيء جدّته في لغته.
لذلك فإذا كان العونلّي بذل نفسه في التّسويغ بالعربية لمفاهيم أطال فيها النظر والتأمّل، ولم يقبل ببسيط السوانح فيها، فإنّه أبدع كلّ الإبداع في معجم العبارة الفلسفية، عبارة القول المنساب حاشية للمفهوم، عبارة الاستدلال، وعبارة المثال، وعبارة الألفاظ التي لئن لم تكن مفهومية فإنها بحق بيئة المفهوم ومجرى تصرفه وحضن كيانه. لذلك تستعيد العربية تحت قلم العونلّي ظهورها الذي أخفاه الاستعمال، وصرامتها التي تجعلها متمنّعة على من يريد فهم كانط بعدّة لغوية صحفية وحتى أدبية. ليس ما يبرر أن يصبح كانط سهلا بالعربية بعد أن كان دقيقا ملطفا في لغته : إنّ رهان التّرجمة في مثل هذا النص، أو في غيره من النصوص التي ألِفها صاحبنا، ولا سيما نصوص هيغل العسيرة التي سبق أن ترجمها، هو أنّ العربية تكتشف لنفسها أفقا لا شك أنه أفقها، وإمكانيات بنية تعبيرية وحتى نحوية لم تُستنفد رغم أن طبيعتها تبيحها. 
لعلّ أكبر مزية لهذه الترجمة بعد مزية كونها ترجمة عارف راسخ في دراسات الفلسفة الألمانية – هي أنها بدقتها وسلامة عبارتها المثالية وأصالة ما استخلصته من القريحة اللغوية العربية لأداء لطائف المعالجة النقدية ومعاقدها واستشكالاتها، لم تبسّط كانط وإنما بسَطته أمامنا كمشكل ذي إحداثيات لا إمكان للاشتراك فيه إلا كما يشترك فيه الوريث ذو الحق، أعني الوريث ذا الحجة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire