مقالي اليوم الاربعاء 15 ديسمبر 2021
على أعمدة جريدة المغرب الغراء
"ومن نافذتي الأسبوعية: "أشياء فلسفية
ضميمة إلى غفران المعرّي:
"تحت شجرة ابن رشد
Blog de Mohamed Abou Hashem MAHJOUB -
مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب
"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"
بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل
__________________________________________________________
في ما بعد الإيمان
من وجهة نظر الإيمان لا أعتقد أن قيود المناسك والتعبدات العملية الصورية هي التي تضمنه أو تفتحنا عليه .. فقهاؤنا صنعوا لنا إنسانا يفترضون أن الله لا يعرفه. هم لم يفتحوا - من جهة ما هم فقهاء - أي أفق روحاني للالتقاء بالله. وحتى عندما تحدثوا عن هذا الالتقاء في بعض التعبدات فقد ربطوها بآداب وكيفيات وقوف واطمئنان إلى أنه يحصل من مجرد الهيئة. لا شك أننا بحاجة إلى "ما بعد دين"، إلى ما بعد إيمان (une méta-foi). وإني أجد أن كل الفلاسفة الذين نقدوا الدين إنما يلتقون في ما يمكنني تسميته "ما بعد الدين"، أعني أنهم يلتقون في ضرب من ترنسندنتالية الإيمان: ليس الإيمان نورا ولا اهتداء ولا انكشافا: وإنما هو مصاحبة للوعي المؤمن. لا يمكن لهذه المصاحبة طبعا - بما هي ترنسندنتالية - إلا أن تكون مصاحبة نقدية. ما قولكم في إيمان يشرف في كل لحظة على حدوده القصوى، ويطرح سؤال إمكانه في كل حين ؟ ما قولكم في إيمان يشرف على اللاوجود في كل لحظة؟ وأعني باللاوجود هنا كل شكل من أشكال اللاإيمان (la non-foi) .. إني لأجد الله في عربدة المعربد ولا أجده فقط في تعبد المتعبد. ليس الله هو مضمون تلك العربدة، ولكنه مسكوتها وحرف "اللا" الذي تسير عليه فينضح منها وينزّ ويرشح. يحتجّون بأبيات أبي نواس (رب إن عظمت ذنوبي كثرة .. ) دليلا على توبة ذات مضمون. لم يكن أبو نواس أشد تفاهة منه في لحظة تلك الأبيات. لأنها أبيات باتت لا تحمل أي إشراف على ضدها. لقد كان أبو نواس في كل لحظة من لحظات خمرته يطاول النفي ولكنه يشهد عليه في لغته. ليست اللغة إلا أثر اللاوجود. أو هي بعبارة أخرى اللاوجود الذي أصبح أثرا . ينتشر بيننا الله، المطلق، في كل حين، لا لكي نتعبده على جهة ما يشرعه فقهاؤنا، ولكن لنحْييه فينا، شهادة عليه تُزامنها شهادة على أنفسنا، من كل يوم. فأعلى من مفهوم الخير - الذي توجهه معرفة الحقيقة- يقوم مفهوم الحقيقة دون مضمون: إنه "أنّنا" (فعلا للأثر = faire de la trace ). أما ما يتبع ذلك من الآثار نفسها فلا يتوقف عندها إلا الباحثون عن تبرير لإيمانهم لأنه لا يستقيم .. هؤلاء هم الذين سماهم صاحب أبي هريرة: "مفاليس القيامة"
محمد أبو هاشم محجوب
28 مارس 2021
مقال اليوم : رؤية فلسفية
للتفكير الاجتماعي عند الطاهر الحداد
تونس، الكريديف، ديسمبر 2015
لماذا خصصتُ فكر
الطّاهر الحداد بأنّه فكر اجتماعي ؟ الحديث في منظور الفلاسفة عن "فكر
اجتماعي" هو ضرب من خفض الطموح لدى المفكر ... بحيث لا يمكن تصنيفه ضمن
الفلاسفة، ولا يمكن تصنيف فكره فلسفة بين الفلسفات. يبدو الفكر الاجتماعي أقرب إلى فكر أخلاقي يستقر
ضمن مرجعيات الخير والشر ويصوغ المشاكل والحلول كرؤى. يبدو الفكر الاجتماعي فكر رؤى وتصورات للعالم وللمدينة وللمجتمع ...
في حين يكون الفكر الفلسفي فكر تأسيس، أي فكرا يجعل شأنه خطاب الرؤية، ومابعد الخطاب
الذي يؤسسه. ولذلك يقوم الخطاب الفلسفي ويكتسب وجاهته وطرافته ضمن
"اللوجيا" التي تصاحب كلّ حقوله : الأنطولوجيا، والابستمولوجيا
والبراكسيولوجيا إلخ.
هذا التمييز هو
الذي أريد أن أناقشه ضمن هذه المساهمة منطلقا
بكل بساطة من ملاحظة تجريبية.
فبرامج الفلسفة
في التعليم الثانوي، بمختلف شعبها واختصاصاتها، تحتوي على فصول لا تبعد عن
الإشكاليات الاجتماعية ... ولكننا لا نجد ضمن هذه البرامج وضمن المتون العديدة
التي تستدعيها وتتمثل بها وتحيل عليها أي أثر للطاهر الحداد : لا أثر له ولا نص
ضمن محور كامل يعنى بالإنية والغيرية، وصمن محور ثان موضوعه الخصوصة والكونية لا
أثر له إلى جانب إريك فروم، جون لوك، الفارابي، شبنغلر، هيغل، إدغار موران، ليفي
شتروس، سمير أمين، هنتنغتون، إلخ. مقاربة الطاهر الحداد للمرأة ضمن المدونة
الإسلامية، لا أثر لها ولا حضور.
إن هذا الغياب
يطرح علي مشكلا جوهريا يمكن تلخيصه على النحو التالي : ما الذي يفسر هذا
"الخجل" في استنبات التفكير الفلسفي لدينا ضمن التربة الذاتية بمختلف
إحداثياتها المعروفة : وأعني خاصة
بإحداثيتها الدينية، ومرجعيتها الاجتماعية ؟ ألا تطرح مقاربة الحداد، على
طريقتها المخصوصة، إشكالية الكوني والخصوصي، من خلال تتبع هذا المفهوم في المقارنة
بين وضعي المرأة في الإسلام وفي المدنية الغربية مثلما تفصح عنه مقدّمة "امرأتنا
في الشريعة والمجتمع" [10 ديسمبر 1929] ؟
إنّ طرح هذا
السّؤال الذي يمكن إيجادُ أصداء عديدة له في ما يلي من فصول الكتاب [الاعتبار
الذاتي للمرأة – المرأة والحق
المدني – مسألة التربية – المرأة والرجل
أمام صدمة الحداثة الغربية – المرأة والتربية – إلخ.] يبرر مناقشة فكرة هذه المساهمة على النحو
التالي : إلى أي مدى يمكننا استدراج خطاب الطاهر الحداد بحيث نطرحه كمقاربة فلسفية
تأسيسية ؟ ما التّأسيسي ضمن هذا الخطاب ؟
سأرجع هذا
"التأسيسي" إلى مستويين :
-
المستوى السياقي الذي يتبين من خلاله أن
خطاب الحداد يستأنف على نحوه المخصوص خطابات استئنافية سابقة تمثل المعهد الذي
يتحرك فيه تحديث إشكالية المرأة لا فقط إشكالية تحديث المرأة.
-
المستوى التأويلي الذي يتخذ من الفرق
بين القول وسياقه "الغرضي" أو "المقاصدي" حاملا أساسيا من
حوامل إعادة القراءة، وإعادة الإنصات، اللذين ينطلق منهما التحديث عموما، والتحديث
الذاتي للخطاب خصوصا.
ولكن الثابت ضمن هذين المستويين – وهذه هي النقطة
الثالثة من هذه المساهمة – هو أن مجهود التنزيل التاريخي والاجتماعي
لإشكالية المرأة يعتبر بإحداثيتين رئيسيتين أراهما إحداثيتين ملازمتين لكل استشكال
فكري للحداثة الفكرية أو الاجتماعية عندنا : أولا : رصد واقع المرأة ضمن المدنية الغربية،
وثانيا : استنبات أسس إمكان ذلك ضمن النّصّ الذاتي، أعني تأويله على نحو يصبح معه
ذلك الإمكان الكوني [أي الإمكان الجامع بين الشرق تشريعا معطى والغرب طموحا مطلوبا
إلى التجاوز]من صميم معطيات الرّوح التشريعي القرآني.
**********************************
إنّ خطاب الحداد لا ينطلق من لا شيء. ولعلّ أوكد ما يجب الإحالة عليه هو نصوص قاسم أمين الذي كتب على التوالي :
- في 1894 وبالفرنسية égyptiens, Réponse au duc d’HarcourtLes
- وفي 1899 : تحريرالمرأة،
ثم في 1901 "المرأة الجديدة".
لقد كان خطاب
قاسم أمين أول أمره، وخاصة في كتاب "تحرير المرأة" مطالبة جريئة بجقوق
المرأة من داخل الدين. ولم يطرح قاسم أمين إشكاليات الحجاب، والدور الخلقي للمرأة
داخل المجتمع، ومسألة التربية والتعليم، وتمكين المرأة من تحقيق ذاتها وتفعيل
إمكاناتها داخل المجتمع إلا من زاوية قراءة تعيد تفسير النصوص الدينية والتّشريعات
القائمة عليها.
أما في كتاب
المرأة الجديدة، ذي الطّابع الجدالي السّجالي، فقد نظر قاسم أمين إلى عين تلك
الإشكاليات لا من زاوية تأسيسها داخل تفسير آخر للنّص الديني، وإنما ومن زاوية
حضارية عامّة تظهر في خلفياتها تأثيرات أوغست كونت، وستيوارت ميل، وسبنسر، وشارل
فوريي، ويتصدر مطالبها مطلب الحرية كمطلب عام لكل الأمم. ثمة عند قاسم أمين نوع من
تشريع الحق في الحرية باعتباره أرقى درجات الحضارة، في علاقة بالتقدم العلمي
باعتباره وسيلة لذلك الرقي الخلقي. لقد كان قاسم أمين من بعض الوجوه مستأنفا لحركة
الإحياء، ولاسيما من خلال تذكيره برفعة المثل الروحية اليونانية وببعد المسلمين عن
تلك المثل وعدم تمثلهم لها. لعل أهم ما يمكن الاحتفاظ به فلسفيا مع قاسم أمين هو إذن ربطه بين الرقي المعرفي
والترقّي الخلقي للمجتمعات.
إنّ السياق الفكري الذي مثّله قاسم أمين بالإضافة إلى ماكان خير الدين يسّره في أقوم المسالك من توسيع للنظر إلى الإنسانية، كان هو الأرضية الموضوعية التي نشأ ضمنها تفكير الطّاهر الحدّاد. أنّ فكرة الحقّ ليست فكرة تشريعية قائمة على ما يبيحه التشريع الديني فقط، وإنما أنها كذلك قائمةٌ على الإنسانية ومرتبطة بها. لا يتسع المجال للحديث عن السياق التونسي وخاصّة مع ابن أبي الضياف، سليمان الحرايري، محمّد السنوسي، محمد بيرم الخامس، محمد بلخوجة، وغيرهم
ولكن تأسيس الحداد لجدة نظرته إلى المرأة لا يقوم فقط على استلهام روح حركة عامة انطلقت منذ عقود سبقته أو حتى كان معاصرا لها، وإنما هو أيضا تأسيس ذاتي يقوم على مقوم تأويلي لافت لعل إحدى عباراته الصريحة ما يختم به قوله في الحقوق المدنية للمرأة : "إن روح الشريعة أبلغ وأبقى من فصولها التي لا بد أن تتأثر بعض جهاتها بسحابة العصور المارة فيها". إنّ هذه القراءة معروفة وتقوم أساسا على التّفريق بين المقصد الأقصى وبين التبيئات الزمانية المحدودة. الإسلام مقصد إذن، وغرض، ونية، وقصدية. وطبعا فإن هذا المنظور التأويلي يقوم على مسلمات كثيرا ما نتجاهلها لنكتفي بالحديث عن القراءة المقاصدية، أو السهمية، دونما تحليل : إنّ الافتراض الملازم للمقاصدية هو أنّه ثمة لا محالة معنى، ولكنّه غير معطى، خارج تجسداته التاريخية، مما يعني أن تجسّداته التاريخية تلك ليست هي هو. إنّ هذا الافتراض يعطي للمعنى صبغة قصدية ضمن الوعي القارئ لا ضمن النّصّ المقروء. مما يحيلنا على لانهائية التّأويل. إن هذا الموقف التأويلي هو الموقف الذي يبيح للمرة الأولى للقارئ والمؤول أن تكون ذاتيته جزءا من المعنى، وللمعنى أن يكون مبنيا لا معطى، وللنّصّ التّشريعي أن يفقد صفته المطلقة ليتحول إلى تنزيل زماني. إنّ "تحرير المرأة"، حتى نستعمل من جديد عبارة قاسم أمين، ليس مجرد تأثر بأنموذج غربي، وإنما هو موقف تبيحه قراءة ما للنص.
سنذكر بإيجاز أن كتاب الحداد قد صدر أول أمره مقالات نشرت بجرائد بين جانفي وأكتوبر 1928. سنذكر كذلك بأنه قدم أول أمره في كازينو البلفيدير في 17 أكتوبر 1930. سنذكر أخيرا بأن ما قوبل به الكتاب لم يكن منتظرا بالنظر إلى ما رافق تقديمه من حيثيات حسن التلقي. ثمة شيء ما حدث في الأثناء ... كيف يمكن تفسير الفرق بين تلقي مقالات الكتاب المنجمة أول الأمر في 1928 وتلقي الكتاب بعد أن اكتمل وتم تقديمه في صيغته المكتملة. إن مدلول ذلك في رأيي هو أن الإسلام الرسمي لم يكن يمانع من التعبير اليومي عن موقف ما من المرأة، بل ربما لم يكن يكترث بها كثيرا، ولكنه يتصلب تصلبا عندما تتحول الآراء اليومية إلى مرجع مكرس. لذلك فإن الجملة المشهورة المنسوبة للشيخ بن مراد – على ما أظن - "هذا على الحساب قبل أن أقرأ الكتاب" إنما تسجّل بوضوح أن التعبير اليومي محتمل، ولكن الصياغة النسقية والمرجعية للموقف، لا يمكن أن تخرج عن التقليد الرسمي. هكذا أفهمه على الأقل. لماذا ؟ لأنّ الكتاب يطور تأويلية نسقية، تختبر لدى موضوعات متواترة متتالية، هي فصول الكتاب، تمتحن مدى صلاحيتها، وتقر بها : فكأنما رفض الكتاب هو مبدئيا اعتراض على أن تصبح لا نهائية التأويل، وقصدية الوعي القارئ من مراجع المعنى في النص الديني.
لقد أقام دانيال نيومان وروناق حسني [في ترجمتهما المشفوعة بدراسة محينة وموثقة : Muslim Woman in Law and Society وصدرت سنة 2007 عن دار روتلدج، ، قراءتهما للحداد على مقارنة بقاسم أمين تجعل الحداد أشد جرأة من أمين في كونه لم يتهيب إحراج وضع الحجاب.
وفي رأيي فإن جرأة الحداد وقوته النظرية إنما تتأتى من عدم الخجل من النّصوص، أي من الإقرار لها بأنها نصوص، أي من الاضطلاع الواعي بأنها كنصوص هي كذلك من صنع قارئ النصوص، وأنه خاصة، مادامت النصوص قد أعيدت قراءتها، فإنه يتعين أيضا إعادة ترتيب الأشياء. لأجل ذلك لا يكون علينا أقل من أن نكتب كتابا، أي أن نسجل مرجعية مقابلة.
محمد أبو هاشم محجوب
مقتطف من كتاب : مقالات وحوارات (قادم)
كيف يمكن أن نكتب مجاز الفلسفة؟
الفيلسوف والضَّيْم: