مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

dimanche 28 mars 2021

 في ما بعد الإيمان

من وجهة نظر الإيمان لا أعتقد أن قيود المناسك والتعبدات العملية الصورية هي التي تضمنه أو تفتحنا عليه .. فقهاؤنا صنعوا لنا إنسانا يفترضون أن الله لا يعرفه. هم لم يفتحوا - من جهة ما هم فقهاء - أي أفق روحاني للالتقاء بالله. وحتى عندما تحدثوا عن هذا الالتقاء في بعض التعبدات فقد ربطوها بآداب وكيفيات وقوف واطمئنان إلى أنه يحصل من مجرد الهيئة. لا شك أننا بحاجة إلى "ما بعد دين"، إلى ما بعد إيمان (une méta-foi). وإني أجد أن كل الفلاسفة الذين نقدوا الدين إنما يلتقون في ما يمكنني تسميته "ما بعد الدين"، أعني أنهم يلتقون في ضرب من ترنسندنتالية الإيمان: ليس الإيمان نورا ولا اهتداء ولا انكشافا: وإنما هو مصاحبة للوعي المؤمن. لا يمكن لهذه المصاحبة طبعا - بما هي ترنسندنتالية - إلا أن تكون مصاحبة نقدية. ما قولكم في إيمان يشرف في كل لحظة على حدوده القصوى، ويطرح سؤال إمكانه في كل حين ؟ ما قولكم في إيمان يشرف على اللاوجود في كل لحظة؟ وأعني باللاوجود هنا كل شكل من أشكال اللاإيمان (la non-foi) .. إني لأجد الله في عربدة المعربد ولا أجده فقط في تعبد المتعبد. ليس الله هو مضمون تلك العربدة، ولكنه مسكوتها وحرف "اللا" الذي تسير عليه فينضح منها وينزّ ويرشح. يحتجّون بأبيات أبي نواس (رب إن عظمت ذنوبي كثرة .. ) دليلا على توبة ذات مضمون. لم يكن أبو نواس أشد تفاهة منه في لحظة تلك الأبيات. لأنها أبيات باتت لا تحمل أي إشراف على ضدها. لقد كان أبو نواس في كل لحظة من لحظات خمرته يطاول النفي ولكنه يشهد عليه في لغته. ليست اللغة إلا أثر اللاوجود. أو هي بعبارة أخرى اللاوجود الذي أصبح أثرا . ينتشر بيننا الله، المطلق، في كل حين، لا لكي نتعبده على جهة ما يشرعه فقهاؤنا، ولكن لنحْييه فينا، شهادة عليه تُزامنها شهادة على أنفسنا، من كل يوم. فأعلى من مفهوم الخير - الذي توجهه معرفة الحقيقة- يقوم مفهوم الحقيقة دون مضمون: إنه "أنّنا" (فعلا للأثر = faire de la trace ). أما ما يتبع ذلك من الآثار نفسها فلا يتوقف عندها إلا الباحثون عن تبرير لإيمانهم لأنه لا يستقيم .. هؤلاء هم الذين سماهم صاحب أبي هريرة: "مفاليس القيامة"

محمد أبو هاشم محجوب

28 مارس 2021



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire