مُدوَّنة : محمّد أبو هاشم محجوب

___________________________________________________________

"ولـمّـا كان الله متكلّما بواسطة الأنبياء، لم يكن على الفلسفة أن تبرّر كلامه، وإنما عليها أن تُجلي أفق التّدلال الذي يمكن أن يُسمع فيه ذلك الكلام"

بول ريكور : نصوص ومحاضرات 2 : في التأويل

__________________________________________________________

Qui êtes-vous ?

Ma photo
تونس, تونس, Tunisia
محمد أبو هاشم محجوب : أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس المنار - المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

dimanche 11 septembre 2011

المقال الأول [11/ 9/ 2011] : التاريخ والعبرة


              



التّاريخُ والعبرةُ 

محمد أبو هاشم محجوب

تأمّلات [فينومينولوجية] خلدونية
تنبيهات أوّلية :

ما الذي أصبح ممكنا بعد ابن خلدون ؟ ما يُشير إليه هذا السؤال هو قبل كلِّ شيء وجهة في الإنصات إلى هذا المفكّر الجوهري، قوامُها :
1.   أنّ المفكّر ليس كذلك إلاّ بما يجعله ممكنًا، أي بما يسوّغه من إمكانات الفكر وبما يُنهجه من إجراءاته الجديدة.
2.   أنّ هذه الإمكانات، التي تبدو متّصلةً بمعرفة أو بمنهجٍ أو بتقنية، إنّما تخصّ في الحقيقة، المعاني الكيانيّةَ (significations existentiales) للإنسان، أعني حواملَ فهمه لوجوده.
3.   أنّ قراءة المفكّر إنما تنتخبُ لنفسها مقام الجوهريّ فيه، تفهّما لحدثيّتها (facticité) المخصوصة. ومن البيّن أن ليس لمثل هذه القراءة قيمةٌ في عين من يبحث عن ترديد كلام الآخرين، بعبارة أخرى. فإنّ الصّداقة مع الفكر ليست أمانةً لما يقول على قدر ما هي أمانةٌ لما هو، في قوله، لا يقول.
4.   لذلك ليس غرضي من هذه المحاولة إبرازُ ما قال ابن خلدون، وإنما هو إجلاءُ مالم يَقل، شرطا له. 
       ..............................
وتبعا لذلك فإنّ ما بات ممكنا بعد ابن خلدون هو بصرف النّظر عن الموقف من الإشكالية الإبستمولوجية للتاريخ (أي من مسألة معيار تمييز الصدق والكذب في الخبر)،  التفكير في التاريخ بوصفه موضع الكيان، ومَوْجِدَ الإنسان (Dasein de l’Homme).
إنّ المشكل الحقيقي الذي يتصدّى له ابن خلدون من بداية مقدّمته هو مشكل فقدان المعنى. ولاشك أنّه يمكن أن يُعترض علينا بأن مدخل المقدّمة مخصّص بوضوح لمسألة الخبر التاريخي. ولنا على هذا المأخذ ردّان : أوّلهما تصحيح. فسياقُ هذا المدخل ينزّل العلاقةَ بالخبر التَّاريخي ضمن غائية العبرة : " اعلم أنّ فنّ التاريخ فنّ عزيزُ المذهب جمُّ الفوائد شريفُ الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم، والملوكِ في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدةُ الاقتداء في ذلك لمن يرومه . . . " وثانيا، ما هي العبرة ؟ وهل كلّما تمثّلنا وقائع ماض ما حصل لنا من تمثلنا ذاك إدراك معنى؟  إنّ تمثّل الوقائع ضمن حدث ماض ما، يعنى إدراك بنيتها الدلاليّة من جهة ما هي عناصر محيلٌ بعضها على بعض ضمن ترتيب من إنشائها، لأنّه ترتيب لا يسابقها إلى بنية يضعها لها من قبل بحيث يؤدّي تلاؤمها مع تلك البنية إلى شهادتها عليها. إن ترتّب الوقائع ضمن بنية ذاتية قد يفيدنا بمدلول، ولكنّه لا يستطيع أن يفيدنا بمعنى. ويقتضي الحديث عن المعنى، على العكس من ذلك، تمدّد الإحالة التي لكلّ عنصر من عناصر بنية ما إلى خارج تلك البنية. إنّ ذلك التمدّد هو الانتشار الزّماني  الذي يسمح بالمعاودة على نحو غير تكراري، فكأنّما ترتسم لدى كل اطّلاع "على أحوال الماضين من الأمم" مضارعة لتلك الأحوال تعيد، بشكل ما، تولّد آنات تلك الأحوال على دياغرام هوسرل المعروف، بضرب من تشاكل (تآلف ؟ تضامن ؟) المصير، أي من تشاكل إيقاع الذهاب والإدبار، وذلك هو الذي نسميه درسا. ما الذي يسمح بتمثل ذلك التشاكل ؟ لا شك أن الذي يسمح به ليس أيا من العناصر إذا ما أخذناها في ذاتية ملامحها، أي في تضاريس فرادتها المخصوصة. إنّ خروج عنصر "الأحوال الماضية" من فردانية صورته (l’individualité de sa forme) ذات المدلول، إلى كثرته الهيولية (sa pluralité hylétique) هو الذي يسمح بتمثّل المعنى لدى الاطّلاع على "أحوال الماضي"، وهو الذي يسمح خاصّة بالانتقال من حديث يتمثّل الماضي إلى حديث يتمثّل التّاريخ بوصفه حدث المعنى .
إنّ التّاريخ بما هو كذلك ليس أيّا من ماض، وليس أيّا من حاضر ولا من مستقبل وإنّما هو عنصر (L’élément)  اللّقاء بالذّات، عنصر قراءتها وتأوّلها بما هو، في المعالجة الخلدونية، "محكُّ الخبر".
بأيّ معنى يمكننا إذن أن نقولَ إنّ منطلقَ ابن خلدون هو فقدانُ المعنى ؟
لاشكّ أنه يمكننا استعراض العبارات الدالة على ذلك وهي كثيرة ومتكررة : فأخبار المؤرخين هي "الخرافات المستحيلة"، و"الحكايات" المقدوح فيها والمحالة، و"خرافات القُصاص"، و"ما لا يقبله العقل"، الخ. إنّ إشكالية الصّدق والكذب في الأخبار لا تتولد ضمن المقدمة كأي إشكالية صورية للمعرفة، وإنما هي إشكالية من كونها تتناقض مع فكرة التاريخ بوصفه موضع العبرة، ومنزل الدرس. فكأنما كذبُ الخبر مُذهب للعبرة التاريخية. إنّ كذب الخبر مانع لزمانية التاريخ المخصوصة من أن تطلع على الوعي وتعمر "قصديته" كتجربة تضارعٍ للأحداث ضمن ما يخبِره هذا الوعي معنى. إن كذِب الخبر معطّل للتاريخ أي معطِّل للمعنى التاريخي بما هو درس وعبرة.
لاشك أن مثل هذا الكلام يفترض معنى للتجربة التاريخية، وربما كان أوكدُ ما يعترِض عليه أنّ عبد الرحمن بن خلدون لا يصوغ قوله في التاريخ على جهة "التجربة التاريخية" وإنما على جهة القول في المعيار الذي تتميز به الأخبار. ولعله يمكننا أن نردّ على هذا الاعتبار في وقتين :
فأولا، لا يفرّق ابن خلدون في نقده لما يجري من مفهوم التاريخ بين مضمونه كذبا ومضمونه صدقا ("وهما أو صدقا" في عبارته)، ويعني ذلك أن هذا المفهوم الجاري ليس يشفع له ما قد يتخلله من الأخبار الصادقة التي تطرأ عليه طروءًا،، وهو ثانيا يسدّد نحو جذر الموقف الروحي  الذي يصدر عنه هذا المفهوم الجاري فيعينه "نقلا"، و"جلبا"، و"تقليدا" و"بلادة طبع"  أو "تبلد عقل" و"ذهولا"،  و"جهلا" و"اتّباعا" و"غفلة" الخ.
إنّ صدور الخبر، صادقا كان أو كاذبا، عن مثل هذا الموقف يمنع تمدّد الدّلالة الذي يتمكّن به الحدث التاريخي من أن يغادر فرديته الصورية ليلتحق بالمادّة[1] المشتركة أي الحية للتاريخ بما هي معنى، أي بما هي مخبور وعي معاصر للديمومة.
ليس من اليسير أن يفهم المرء عروض "أصول العادة" وقواعد السياسة" و"طبيعة العُمران" و"الاجتماع الإنساني"، ولو كان نظريا، داخل إشكالية تاريخية. وإنّ في الإصرار على القول بهذا الابتداع الخلدوني "العارض" للاجتماع داخل التاريخ، مهما كانت وجاهته، إصرارا على تقييد الفتح الخلدوني بعلم من العلوم، أي إصرارا على عدم رؤية ما في هذا الفتح من الدرس الأنطولوجي، أي من الدرس الشارط لكل فتح جديد ولكلّ كشف جديد بعودة متفكرة إلى الذات. فإنّ الوضع الذي نحن بصدده يقبل بكل بساطة ولكن بكل عمق كذلك أن يصاغ على جهة السؤال التالي : لماذا يؤدي النّظر في الخبر التاريخي، من حيث صدقة وكذبه، ولماذا يؤدي السرد التاريخي للخبر، ولماذا يؤدي الإخبار عن الماضي،  إلى استطراد في الإنسان ؟ وإن في تردد الباحثين في تخصيص الكشف الخلدوني ما بين علم اجتماع، وفلسفة تاريخ، وفلسفة اجتماعية، واجتماع نظري، لعزما على عدم البصر بأن ما يجري ضمن المقدمة ليس إلا استئنافا للتفلسف لا يكمل فلسفة سابقة (ولاسيما أفلاطون وأرسطو) بقدر ما يجذرها بفتحها على ما هو موضوعها الحقيقي : الإنسان. وإنّ أوكد مقوّمات هذا الاستئناف هو استدراجُ تأويل الكيان الإنساني على الأرض، أي هبوطه إليها وعمرانه إياها، تاريخا، وتَمَثُّلُ "حقيقة التاريخ" خبرا عن الماضي بقدر ما هو  إمكان حدوث (أي بقدر ما هو صدور مطابق لطبائع الأشياء) . وإذا كان ثمة من حداثة لابن خلدون فإنما هاهنا تكون.
ولعلّ أظهر ما يبدو هذا الاستئناف الخلدوني هو في توجهه إلى مستوى من النظر في مسلمات العلوم وافتراضاتها يعسر معه ترتيب النظر الذي يفتتحه، كواحد من العلوم، وإلى جانبها. إنّ ما ندافع عنه هاهنا هو أن ابن خلدون إنما بسط في المقدمة نظرا أساسيا تأسيسيا ولم ينتخب لنظره موضوعا من الموضوعات المتاحة.
يقول ابن خلدون : "وهذا الفنّ الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من جنس مسائله بالموضوع والطلب" إن خاصّة هذا الفنّ إذن أنه فنٌّ مسائله في غيره من العلوم والفنون عارضة ضمن براهين تلك العلوم. ولكنها بالموضوع وبالطّلب (thématiquement) مسائله. ما عسى أن يكون هذا العلم الذي موضوعه لامبرهنات العلوم الأخرى ؟ أليست هذه اللامبرهنات هي مسلمات تلك العلوم وافتراضاتها ؟ وما عسى أن يكون هذا العلم الذي موضوعه التقاطع الصامت للعلوم الأخرى ؟ إنّ ابن خلدون على تمام الوعي بأن ما يقدم عليه علم جديد مجدّد، وهو يؤكد في أكثر من مناسبة أن الذي أعثره عليه إلهام إلهي "من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان".
إنّ اتخاذ صوامت العلوم غرضا ورفعها إلى مستوى القول الصريح "بالموضوع والطلب" هو الشأن الفلسفي الحقيقي. ولكنّ الموضوع المؤتلف من مثل هذا النّظر هو أحوال العمران البشري من جهة ما تمثل حقيقة التاريخ. فإن الإخبار عن الماضي لا يعطي معنى الوجود الإنساني على الأرض إلا متى ائتلفت الأخبار ضمن خثارة (concrétion) المن الذي هو أنا، تذكيرا لي في كل لحظة بأني "إنسان".  إنّ فقدان المعنى الذي يوقع الإنسانَ فيه زيفُ التّاريخ لا يرفعُ هذا الزيف بتصحيح الأخبار إلا متى كان هذا التَّصحيح أوَّلاً فهما من الإنسان لأحواله. فكأنما ينجز ابن خلدون بمقدمته ردّا (réduction) فينومينولوجيا أصيلا  يعتزل  (mise hors circuit, mise entre parenthèses) ضمنه  الخبر التاريخي صادقا كان أو كاذبا (وهذا شأن الإيماءة الفينومينولوجية [le geste phénoménologique]  الأصلية) ليحيل على التاريخ الأصلاني : فإذا التاريخ الأصلاني هو العمران البشري والاجتماع الإنساني، من جهة كونه خلعا لمعنى الزمان، أي لوحدته، على الماضي والحاضر. ليست عبرة التاريخ إذن إدراكا لحيلة نداور بها الأحداث، أو نعالج بها الحاضر، وإنما هي أن "نرسل" في كلّ مرّة للنظر في أنفسنا. لذلك ليس كمقدّمة ابن خلدون تأويلية  للنفس.  
ولكنّ الأصلاني الأصلاني  ضمن هذه الإيماءة، هو تحديد الموْجد الإنساني فهما للتاريخ. إن ما بات ممكنا بعد ابن خلدون هو إدراك أصلانية التاريخ بما هي أصلانية معنى الإنسان. ومع ذلك فإن هذه الدراسة لا يمكنها أن تكتمل دون مناقشة أصلانية التاريخ من حيث  النماذج المتاحة لها، وتحديد أنموذج هذه الأصلانية عند ابن خلدون.



















[1] يستعمل ابن خلدون العبارة في حرفها حين يقول ناقدا أسلوب الكتابة "التقليدية" للتاريخ : "فيجلبون الأخبار عن الدول وحكايات الوقائع في العصور الأول، صورا قد تجردت عن موادها" (ص.5)

1 commentaire:

  1. Yousri Marzouki
    Cher Professeur, merci pour ce moment de réflexion profonde qui témoigne d'une quête active du SENS jusqu'à là égaré dans ce vide intellectuel par lequel passe notre pays. Merci aussi d'avoir rappelé que la perspicacité de nos illustres aînés peut nous aider à honorer notre mémoire en la critiquant pour en retenir, in fine, la bonne morale.

    RépondreSupprimer